بناء الوطن.. بين الصمت والحوار (1)

عادل السيوى

عادل السيوى

كاتب صحفي

يعايش المجتمع المصرى فى الآونة الأخيرة ظاهرة غريبة عليه، وهى غياب لغة الحوار ولم يعد أحد يتحدث مع الآخر ابتداءً بالأفراد فى الأسرة الواحدة وانتهاءً بالمجتمع المصرى كلية، فتولّدت القطيعة الفكرية والثقافية والسياسية على مستوى الأفراد والمجتمع والدولة.. لا أحد الآن يتحدث مع الآخر، رغم أننا نطالب دائماً بأن نفتح الحوار مع الآخرين فى بلاد العالم، وهذا قمة التناقض أن تطالب شعباً بأن يتحاور مع الغريب وهو عاجز عن الحوار مع نفسه.

إن الغياب الأخطر فى لغة الحوار هو هذه القطيعة التى أصابت علاقة الشباب بالمجتمع.. لقد انسحب الشباب تماماً حاملاً أحلامه وقضاياه وهمومه إلى عالم النت ووسائل التواصل الاجتماعى. لقد ترك الأسرة، حيث لا عمل ولا حوار، لأن جميع أفراد الأسرة يجلسون أمام الفيس بوك ولا أحد يتحدث مع الآخر وانفصل عن الواقع لأنه يجلس طوال اليوم على المقهى بعد أن تحولت مصر إلى مقاهٍ. وانفصل كل شخص عن كل ما يجرى حوله، لأنه لم يعد يصدق أحداً بعد أن ضاقت به السبل بحثاً عن عمل أو أمل أو وظيفة.. هنا أيضاً غابت لغة الحوار أمام غياب أصحاب الفكر وقادة المجتمع ورموزه.

لقد وصلت حدة الانقسامات بيننا فى المواقف والسلوك والأفكار إلى أن أصبح كل طرف يرفض الآخر وليس لديه أى استعداد لأن يسمعه، وقد زادت حدة الظاهرة حتى جلسنا جميعاً، وكل منا ينظر إلى الآخر واكتفينا بأحاديث وسائل التواصل الاجتماعى رغم أنها تؤكد أن هناك خللاً ما فى حياتنا.. إن أخطر ما يهددنا الآن أن نفقد الرغبة فى الحوار وأن يأخذ كل طرف منا مكاناً بعيداً ويكتفى بالحديث مع نفسه أو مع جهازه الإلكترونى، ولا أدرى ماذا يُسَمى ذلك فى الدراسات النفسية والاجتماعية.

هناك واقع لا يستطيع أحد أن ينكره أو يهرب منه وهو حالة الانقسام التى يعانيها المصريون فى السنوات الأخيرة وإن سبقتها بوادر كثيرة، كان أخطرها التفاوت الرهيب فى واقعنا الاجتماعى الذى جعل المصريين أكثر من طبقة وأكثر من فئة، مع فرض صيغة جديدة فى السلوكيات والمواقف.. كان التناقض الاجتماعى أقرب الطرق إلى لغة الانقسامات التى أصابت الشارع المصرى، وأمام توزيع جائر وظالم لثروات الوطن فى ظل العهد البائد وجدنا أنفسنا فقراء وأغنياء فى واقع جديد تماماً أبعد ما يكون عن ثوابتنا القديمة.

كانت هذه هى الخطوة الأولى فى غياب لغة الحوار، فلم تعد هناك جسور مشتركة بين مَن يملكون ومَن لا يملكون، واتسعت المسافة واختلفت اللغة وتعارضت المصالح، ووجدنا أنفسنا أمام أحاديث من الصمت طالت.. وهنا اختفت لغة الحوار فى أولى درجاتها، فلم يكن أحد يسمع الآخر وأغلقت كل أبواب الحوار.

ثم حين قامت ثورة يناير التى انصهرت فيها غالبية فئات المجتمع المصرى فى لحظة تاريخية نادرة وتوحدت فيها الأحلام والأفكار والرؤى وخرجت الجموع تطالب بالعدالة والكرامة والتغيير الحقيقى، إلا أن عواصف ضارية أطاحت بكل شىء واستطاعت جماعة الإخوان المجرمين أن تسطو على الشارع المصرى، وخلال عام واحد من حكمهم وأمام فكرهم المتجمد ورغبتهم فى السيطرة والاستبداد باسم الدين تحول ما تبقى من لغة للحوار والجدال الراقى إلى لغة الاستفزاز ورفع الصوت والصياح، فتحول الجدال بالتى هى أحسن للوصول إلى حلول، إلى جدل وإصرار على الرأى والإساءة إلى أى رأى آخر، فتصدَّر لساحة الرأى والحوار الجُهال والأفاكون الانتهازيون، وصار الحوار والجدال حديث إفك وفتنة وإضلال، وقد تبنى الإعلام على مختلف توجهاته -إلا النزر اليسير منه- نشر ثقافة العنف الحوارى والسخرية البذيئة والمكلمة المتدنية بما لا يُسمن ولا يُغنى من جوع، وأغرق الإعلام أبناء الشعب فى ثقافة المكلمة وتأجيج الخلاف، بدلاً من أن يستنهض فيهم ثقافة العمل والاجتهاد والانتماء، فصرنا إلى واقع أليم من الفرقة والانقسامات وصولاً إلى العراك العنيف أو الصمت المتربص وكلاهما يُقوِّض الاستقرار والتقدم. وهنا اختفت تماماً لغة الحوار وتباعدت المسافات كثيراً بين أبناء الوطن الواحد.

وفى خضم تصارع أصحاب المصالح وشدة انقسامهم على تقسيم غنيمة مصر على أنفسهم، متناسين الشعب وليذهب إلى الجحيم، أدرك هذا الشعب بفطرته الطيبة ما يُدبر له على أيدى هؤلاء السياسيين، فلاذ بمؤسسة جيش مصر الوطنية وأسلم قياده لها، فالتحم بالجيش واحتمى به وعلم أن خلاصه سيكون على يديه، فكانت ثورة 30 يونيو وخرج الملايين من أبناء الوطن -الذين لا قِبل لهم بتصارع السياسيين وأصحاب الأجندات- إلى الشوارع والميادين مفوضين قيادة الجيش المصرى فى استرداد الوطن وجمع الشمل وإعادة الأمن والاستقرار إلى ربوعه، ولملمة جراح ما خلفته الأحداث الدامية.

ورغم كل ما حققته ثورة يونيو من الإنجازات، فإن لعنة الانقسامات بقيت تهدد وحدة الأسرة المصرية لأن هذه الانقسامات نابعة عن مصالح فئوية متعددة ليست غايتها مصلحة واحدة هى مصلحة الوطن وتقدّمه، فلا نرى إلا الخلاف فى المواقف والمصالح والأفكار، ورغم أن الصورة أصبحت أكثر وضوحاً من حيث الهدف والغاية فإن آثار الماضى القريب ما زالت حتى الآن تجعل الحوار طريقاً صعباً أمام خلافات حادة أطاحت بأبناء المجتمع الواحد.

وهذا ما سنعرض له فى الجزء الثانى من هذا المقال.