رؤيتى لبلادى.. مصر فوق السحاب (15)

استكمالًا لما ذُكر فى المقال السابق حول ما جرى عليه العمل فى إعداد الخطة والموازنة قبل بداية العام المالى الجديد، تجدر الإشارة إلى عدد من القضايا التى يترتب عليها عدم الاستفادة المرجوة من المخصصات المالية المقررة فى الموازنة العامة للدولة، التى تمثل إحدى سنوات الخطة فى جانب الاستثمارات العامة، والذى يقع ترتيبه فى الباب السادس من الموازنة.

فمن ناحية، يُجرى المسئولون فى الوزارات والهيئات الحكومية مناقشات طويلة مع وزارتى المالية والتخطيط قبيل بدء السنة المالية، وتُعقد جلسات ممتدة فى مجلس النواب فى لجنة الخطة والموازنة وفى اللجان النوعية (مثل التعليم والصحة والإسكان والتنمية المحلية والشباب) للاتفاق على بنود الموازنة قبل إقرارها من مجلس النواب.

ويعتقد معظم المسئولين والمراقبين والمتخصصين أن إقرار بنود الموازنة وصدورها بقانون يعنى تنفيذ ما ورد فى الموازنة من مشروعات رُصدت للإنفاق على تنفيذها مخصصات مالية محددة. بيد أن الواقع العملى مختلف تمام الاختلاف عما يظنه الجميع، وقد أتيحت لى الفرصة للتعرف على ما يحدث بدقة خلال فترة عملى التنفيذى التى امتدت لست سنوات.

فقد اكتشفت خلال التنفيذ أنه من المستحيل أن تتمكن أى وزارة أو هيئة حكومية من الحصول على المخصصات المقررة لها فى الباب السادس قبل انتهاء العام المالى، وقد يعتبر تنفيذ نصف المشروعات المخطط تنفيذها خلال العام المالى إنجازًا للوزارة أو للهيئة الحكومية. ويكمن السبب وراء ذلك البطء فى الطريقة المتبعة فى تمويل الخطة الاستثمارية فى الوزارات والهيئات الحكومية.

تؤدى تلك الطريقة إلى انقضاء ثلاثة أشهر فى بداية العام المالى دون البدء فى التنفيذ، حيث تستنفد تلك الفترة فى الإعداد للبدء فى التنفيذ قبل إتاحة أى أموال من بنك الاستثمار القومى. ويبدأ بنك الاستثمار القومى فى إتاحة الربع الأول من الخطة الاستثمارية للوزارة أو للهيئة فى نهاية الربع الأول أو بداية الربع الثانى من العام المالى، أى فى نهاية سبتمبر أو بداية أكتوبر من كل عام. وفى معظم الأحوال، يتم استنفاد الربع الثانى من العام المالى، من أكتوبر وحتى نهاية ديسمبر، فى اتخاذ الإجراءات القانونية لطرح المشروعات الواردة فى الخطة للتنفيذ.

وعادة ما تقوم الشركات التى كُلفت بالتنفيذ بالبدء فى تنفيذ المرحلة الأولى من المشروع (مدارس، مستشفيات، مراكز شباب) فى الربع الثالث من العام المالى، أى بدءًا من يناير وحتى نهاية مارس.

وتقوم الشركات المنفذة بتقديم المستندات الدالة على التنفيذ للحصول على مستحقاتها عما تم تنفيذه خلال الربع الثالث، أى بعد نهاية مارس، كى تواصل العمل فى المراحل اللاحقة. وقد تتمكن الشركات الجادة من الحصول على مستحقاتها فى بداية الربع الرابع والأخير من العام المالى، ربما فى شهر أبريل من كل عام.

وقبل أن تتمكن الشركات المنفذة من استكمال المرحلة الثانية من المشروع (التى تمثل نصف المشروع تقريبًا ونصف التكلفة المقدرة خلال العام المالى)، يكون العام المالى قد شارف على الانتهاء، ويتوقف بنك الاستثمار القومى عن إتاحة أى أجزاء من المخصصات المالية.

ومن ثم، ينتهى العام المالى بتنفيذ خمسين بالمائة، على أفضل تقدير، من أى مشروع مدرج فى الخطة الاستثمارية لأى وزارة أو هيئة حكومية، ولا يتم إنفاق أكثر من نصف المبالغ المخصصة فى الموازنة العامة.

ويترتب على ذلك بالضرورة عدة نتائج سلبية، أهمها تأخر تنفيذ جميع المشروعات لمدة إضافية مساوية لفترة التنفيذ الواردة فى الخطة، وربما لفترات أطول. وعادة ما يترتب على تمديد فترة التنفيذ ارتفاع فى تكلفة المشروع، بسبب التغير فى أسعار المواد الخام ولا سيما فى حالة تغيير سعر الصرف خلال فترة التنفيذ.

ويتطلب إجراء تعديلات على تكلفة المشروع للأسباب الموضوعية السابق ذكرها قرار من السيد رئيس مجلس الوزراء بنسب الزيادة. أكثر من هذا، قد تتعثر الشركة المنفذة ويترتب على ذلك سحب المشروع وإعادة الإجراءات مرة أخرى لتكليف شركة أخرى باستكمال تنفيذ المشروع المتعثر، ويستغرق ذلك فترة توقف إضافية تضاف إلى فترة التوقف السابقة على سحب المشروع.

قد يكون ما ذُكر مفاجئاً للكثيرين، بيد أنه يعبر عن الواقع الفعلى فى جميع المشروعات الاستثمارية فى الوزارات والهيئات الحكومية. وعادة ما يشكو نواب الشعب ووسائل الإعلام ومعظم المواطنين من تأخر تنفيذ معظم المشروعات التى تستغرق فى كثير من الحالات عدة سنوات.

وكانت إحدى جلسات مجلس النواب التى عقدت منذ عدة أسابيع لمناقشة عدد كبير من طلبات الإحاطة المقدمة إلى السيد وزير الإسكان زاخرة بشكاوى السيدات والسادة النواب، بسبب تأخر تنفيذ العديد من المشروعات فى معظم المحافظات المصرية.

وأشار عدد من السادة النواب إلى أسماء الشركات المسئولة عن تنفيذ مشروعات محددة فى دوائرهم باعتبارها المتقاعسة عن استكمال المشروعات، وبالرغم من وجود بعض الشركات غير الجادة أو غير القادرة على تنفيذ مشروعات محددة تفوق قدراتها، وهو أحد أسباب التعثر فى عدد من الحالات، فإن السبب الرئيسى فى تأخر تنفيذ كل المشروعات، حتى فى حالة جدية الشركات القائمة بالتنفيذ، يكمن فى الطريقة التى يتم بها تمويل المشروعات الاستثمارية فى موازنة الوزارات والهيئات الحكومية منذ أمد طويل. وقد آن الأوان لإجراء تعديلات جذرية فى الطريقة التى يتم تطبيقها فى التمويل التى لم تعد بأى حال من الأحوال ملائمة فى الجمهورية الجديدة، ونحن نحتفل هذه الأيام بذكرى انطلاقتها.

يعتقد معظم المسئولين والمراقبين والمتخصصين أن إقرار بنود الموازنة وصدورها بقانون يعنى تنفيذ ما ورد فى الموازنة من مشروعات رُصدت للإنفاق على تنفيذها مخصصات مالية محددة. بيد أن الواقع العملى مختلف تمام الاختلاف عما يظنه الجميع، وقد أتيحت لى الفرصة للتعرف على ما يحدث بدقة خلال فترة عملى التنفيذى التى امتدت لست سنوات.