"ملحق" في حمام السباحة

مى حمدى

مى حمدى

كاتب صحفي

 كنت احتسي قهوتي الصباحية حين تناهى إلى مسامعي صوت هذه الجدة اللطيفة وهي تشد من أزر حفيدتها على حافة حمام السباحة: "ملحق؟ وايه يعني ملحق؟ اللي يقولك عندك ملحق قولي له هات واحد زيي لو تعرف"!!!! بعفوية شديدة وبثقة مطلقة وبطريقة فكاهية عززتها بابتسامتها البشوش بسّطت الجدة القوية الداعمة الأمر لحفديتها محاولة ً جبر كسر الطفلة. وددت لو تدخلت في الحوار وقلت لها يا ابنتي ليست الدرجات هي العبرة فكم من أمثلة حية رأيتها لأناس لم يكونوا على قدر كبير من التفوق الدراسي وأصبحوا فيما بعد من أنجح الشخصيات في الحياة العملية. ليست هذه دعوة لإهمال الدراسة بكل تأكيد، وكلنا بلا شك نحب أن نرى أبنائنا في أعلى درجات التفوق في كل المجالات، ولكنها دعوة للترفق بأطفالنا، ودعمهم لبلوغ أعلى كمالاتهم الإنسانية الممكنة، كمالاتهم هم، وفي ضوء قدراتهم، دون مقارنة بغيرهم، والسعي الدائم للتحسين والتطوير والتفوق، منتبهين ألا نقوم في طريقنا لذلك بدهس الإنسان، وإنتاج شخصيات مشوهة، ونفسيات محطمة، وقلوب كسيرة، ولكم سمعنا عن حالات انتحار في الثانوية العامة بسبب الضغط العصبي الشديد. أخذت أتخيل "السيناريو" المعاكس، لو قامت الجدة أو الآباء بالتوبيخ الشديد للطفلة والهجوم عليها، ووصفها بالخيبة، ومقارنتها بزملائها، فسوف تشعر بلا شك بالدونية والفشل، وسوف تصدق ما توصف و توصم به، وينعدم لديها الحافز والثقة في النفس، فضلا عن المعاناة النفسية التي قد تمر بها في صمت، خاصة ً خلال المحاضرة الطويلة التي ستضطر أذناها لاستقبالها، بينما عقلها وقلبها شاردان في عالم آخر. رجوت الله أن يكتمل دعم الجدة الحنون باستراتيجة واعية من أب وأم يدركون جيدا أن الأخطاء هي فرص للتعلم، يقومون خلالها باحتواء الطفلة ، ومناقشة الأمر معها بهدوء، وإشراكها في إيجاد حلول كإنسانة مسؤولة، وعنصر فاعل في الخروج من المشكلة، وليس كشيء يوضع هنا أو هناك دون حول لها ولا قوة. رجوت أن يهتموا بالتواصل عاطفيا وإنسانيا مع الطفلة، قبل العمل على تصحيح الأخطاء، وأن يشعروها بالحب والقبول في بيئة آمنة من التهديد والعقاب والمهانة والتخويف، وأن يقوموا بشرح حقيقة عدم الكمال، وأن التعثر في الحياة وارد، والأهم هو كيفية النهوض من العثرة، والتعامل معها بعد استيعاب الأمر، وتهدئة النفس، والاعتراف بوجود خطأ ما. فلنترفق بأبنائنا يا سادة، ولنعاملهم بتوازن بين الحنان والحزم، دون إفراط أو تفريط، ولنشعرهم بأننا نخوض المباراة معهم، وليس ضدهم، وبأننا في نفس الفريق، لا نمسك بصافرة الحكم لاحتساب الأخطاء والعقاب وإخراج البطاقات الصفراء والحمراء. فلنساعدهم على الشعور بالقبول والانتماء رغم زلاتهم. إذا كنا نريد أبناءًا ذوي نفسيات سوية، ودورا فاعلا، وأداءا ناجحا في الحياة، فلنعاملهم بحب واحترام، ونساعدهم على تحمل مسؤولياتهم دون الشعور بالخزي والألم، فالتفوق الدراسي أمر هام، ولكن أبنائنا أهم!