تحفّظ بعض القراء، وفى مقدمتهم الدكتور عبداللطيف محمود الأستاذ بجامعة عين شمس والصديق القديم، على أن أطلق تسمية «الجدل» على ما يدور من خلاف فى مصر الآن، خاصة إذا انصرف مصطلح الجدل إلى معانيه الفلسفية والتاريخية «الديالكتيك»، إذ شتان بين صراع الأفكار أو صراع المادة، وفق «هيجل وماركس»، وبين ما يحدث عندنا الآن. ومن جانبى أوافق على هذا التحفظ، وهو ما دفعنى لأن أميز فى مقال سابق بين حرارة الحمى وبين حرارة الحيوية! وربما كان أقرب وصف يليق بما يحدث فى الإعلام والسياسة عندنا، هو وصف «الدوشة» بالمعنى العامى الواضح، لأنه فى الدوشة لا أحد يسمع الآخر، ولا نتيجة تبدو واضحة لما يحدث ولا أمل فى تقدم يُرتجى!
وقد نلاحظ أن «دوشتنا» المعاصرة تدور فى معظمها حول قضايا لو تأخر حسم الخلاف عليها لما حدث شىء، وهى قضايا تبقى مختَلفاً عليها آماداً طويلة. ونلاحظ أيضاً أن حواراً لا ينهض ولا يحتدم حول المسائل التى هى بالفعل حاسمة فى حاضرنا ومستقبلنا، إذ ليس مهماً أن نتفق أو نختلف حول ما إذا كانت «23 يوليو و25 يناير و30 يونيو» ثورات أم حركات أم انقلابات أم مؤامرات، بقدر ما هو شديد الأهمية أن نرصد أن الانحراف بالحكم إلى الاستبداد وبالاقتصاد وبالمجتمع إلى الإفساد والفساد واللامبالاة والإهمال والأنامالية ومعاداة المال العام وتدمير البيئة.. إلى آخره، كانت هى وستظل الأسباب الكامنة الخطيرة التى يترتب عليها ضعفنا وهواننا وتدمير إرادتنا، ومن ثمّ نتجه إلى التغيير بالثورة، أى عن غير طريق المؤسسات القائمة، ويمضى الوقت الثمين فى الكفاح من أجل التغيير، ثم فى العمل على استعادة الاستقرار، ثم فى الخلاف على الأسس التى سنستقر عليها، وهذا يذكرنى -وأنا أستعيذ بالله من أن يتكرر فى مصر- بالمعادلة السودانية التى بقيت زمناً طويلاً فى حلقة مفرغة فيحكم المدنيون، ثم يفسدون ويستبدون فيتدخل الجيش ليغير، وما إن يستقر حتى يتمكن فتبدأ حالة الفوران والتحرك، ليأتى المدنيون ثانيةً فيفسدون ويستبدون... إلى آخر الدوران فى تلك الحلقة المفرغة!
إننى أعتقد أن أوجب الواجبات الآن هو أن نتحول من «الدوشة» إلى الجدل البنّاء حول أى السبل أنجح وأسرع فى البناء الاقتصادى الشامل، وكيف نستمر فى شحذ الإرادة الوطنية لتتجلى فى مجال الطاقة ومجال مواجهة الصحراء وهجوم البحر، «التصحر والتبحر» كما سمّيتهما منذ زمن، فتتجمع مدخرات وطنية أخرى لتمويل المشروعات فى تلك المجالات، كما حدث فى مشروع حفر قناة السويس الجديدة.
وأعتقد أن الجدل يجب أن يتجه أيضاً إلى ما أسميه «معضلة الفكر المصرى الحديث والمعاصر»، التى تتصل اتصالاً عضوياً وثيقاً بتاريخ وأوضاع التعليم فى مصر، منذ أن أصبح عندنا نوعان متوازيان من التعليم، أحدهما كان قائماً منذ زمن طويل ومثلته مؤسسة الأزهر، والثانى نشأ فى ظل حكم محمد على باشا، ولم يشأ قدرنا أن يندمجا فيتطورا معاً، مثلما حدث فى كثير من بلاد الدنيا، إذ وجدت كلية للاهوت وبجوارها كليات الآداب والحقوق والعلوم، وامتدت التخصصات إلى ما عرفته البشرية من علوم، وأدى ذلك عندهم إلى وجود بنية ثقافية متجانسة، ومن ثمّ وجدان جمعى متجانس، ضمن الانصراف إلى مهام إعمار الأرض بدلاً من الاستمرار فى الانغماس فى شكل الملبس والحذاء وطول الشعر واللحية ولغة الرواية والقصة.. وهلم جرا مما أنهكنا وهدَّ قوانا الذهنية والثقافية.
والحديث متصل..