ضد الرصاص.. عظيمات من مصر!

أحمد رفعت

أحمد رفعت

كاتب صحفي

جزءٌ من وعى المصريين بتاريخهم، بل وجزء من انتمائهم لهذا الوطن هو معرفة حجم التضحيات التى قُدمت من أجله ومن أجل تحرره وتحريره واستقلاله ومن أجل كرامته وكرامة أبنائه.. جزء من وعى المصريين وانتمائهم لهذا الوطن هو معرفة ماذا فعل الأجداد والآباء ضد المستعمر المحتل الأجنبى وضد الغازى المعتدى.. لا يصح أن يكون بيننا مَن لا يعرف أن المرأة المصرية سقطت شهيدة وهى تهتف مطالبة باستقلال بلدها.. ولا يصح أن يكون حتى اليوم بيننا مَن لا يعرف أن المرأة المصرية حملت السلاح مع الرجال لصد العدوان الثلاثى عام ١٩٥٦! فلا يصح أيضاً أن تأتى أجيال فى المستقبل -القريب أو البعيد- وهى لا تعرف دور المرأة المصرية فى ثورة ٣٠ يونيو وفى كشف وفضح إجرام جماعة إرهابية قفزت إلى السلطة واختطفتها فى غفلة من الزمن ومن الناس!

لم يكن احتلال مصر، البلد العظيم والتاريخ المجيد، سهلاً، لولا خونة الداخل وهم ليسوا من صلب ولا طين ولا رحم وطننا العظيم إنما من أصول أجنبية. وقف «عرابى» ومحمد عبيد وغيرهما وغيرهما يقدمون أرواحهم دفاعاً عن مصر العظيمة وشعبها العظيم.. حملوا السلاح ورفعوا شعار: «مصر للمصريين.. وجيش مصر للمصريين» ولولا الخيانة ما دخل الإنجليز أرضنا.

بعده عرفنا مصطفى كامل ومحمد فريد وغيرهما من الأبطال وعرفنا النضال ضد الاستعمار بطرق مختلفة أنفق فيها هؤلاء الأبطال صحتهم وأموالهم ومنهم من مات غريباً ممنوعاً من تراب وطنه.. وبعده سعد زغلول والذين معه.. حتى الفن.. وقف يغنى وكان سيد درويش يجهر ويتحايل.. يجهر بدعمه للثورة وللثوار ويتحايل على الإنجليز، فيغنى: «يا بلح زغلول» و«يا عزيز عينى».. هنا.. وهنا تحديداً لم تكن المرأة المصرية بعيدة عما يجرى.. ولم تتفرج على ما يحدث.. ولم تبق أسيرة لا لقوانين ولا تقاليد.. خرجت تنفض عن نفسها غبار العزلة عن مصالح الوطن وقضاياه وتتخلى عن برقع السلبية وقد أجبرتها الجدران الأربعة على البقاء بينها.. خرجت فى السادس عشر من مارس من عام 1919 لتعبر عن نفسها.. عن وطنيتها.. عن انتمائها.. خرجت وهى تعلم بصعوبة الأمر.. ووحشية المحتل.. خرجت بالمئات بعد أن لبّت دعوة التظاهر كل من بلغتها الدعوة.. خرجت فتيات مصر وسيداتها يتظاهرن، يهتفن لمصر مطالبات بالحرية والاستقلال.

أكثر من 300 سيدة بقيادة المناضلة بنت مصر ورائدة عملها النسائى هدى شعراوى رافعات أعلام الهلال والصليب ضد الاحتلال البريطانى وجنده الغاصبين المجرمين.. وما كان إجرامهم ليقف متفرجاً وإنما عبّر عن نفسه وأفصح عن مكنونه بالضرب فى المليان.. لا هراوات ولا عصى خشبية ولا بلاستيكية ولا خراطيم مياه ولا قنابل غاز.. إنما بالرصاص الحى كما فعلوا مع شباب مصر الطاهر الحر وكما فعلوا معه فى جريمة العصر بكوبرى عباس وفتحوا الكوبرى والنيران معاً.. فخيّروا شبابنا بين الموت بالرصاص أو الغرق!!

أطلقوا نيران الضعف والخوف والذعر والجبن أمام قوة المصريات وإيمانهن بعدالة قضيتهن ومعنى ومغزى كرامتهن وشرف بلدهن.. سقطت منهن على الفور العشرات بين شهيدات وجريحات.. ارتقت أرواح طاهرة إلى ربها.. استشهدت نعيمة عبدالحميد وحميدة خليل وفاطمة محمود ونعمات محمد وحميدة سليمان ويمنى صبيح! فتيات فى عز شبابهن.. بين إكمال تعليمهن وخدمة أهلهن تركن كل ذلك وسقطن فداء لمصر وشعبها.. تحولت التظاهرة إلى بحر من الدماء وهز الصراخ أركان القاهرة وهرب الجبناء بجريمتهم وكتب التاريخ الواقعة بسطور من نور وسجل أن حميدة خليل -كما تقول الوقائع والشواهد ويقول الشهود- أول شهيدة فى الوطنية المصرية ومن أجل قضيتها العادلة ثم تبعتها بعد ذلك مَن تبعتها.. ولحقت بها من لحقت!

كان المشهد مهيباً.. وعظيماً.. لا يقدر على تصويره فيلم أو غيره من فنون الدراما.. يقترب منه نعم.. لكن يجسّده لا.. وقد تحول اليوم إلى يوم للمرأة المصرية.. كما تحول يوم كوبرى عباس إلى يوم عالمى للطلبة.. نتذكر فيه، ويتذكر العالم، تضحيات أسطورية قدمها شعب حر لينال حريته واستقلاله..

واليوم نحيى الذكرى.. ونرفع الأكف بالدعاء.. ولكن يحق علينا أن نحفر أسماء هؤلاء البطلات فى قلوبنا وعقولنا.. وأن تحتوى سطور مناهجنا التعليمية أسماءهن وسِيَرهنّ وبطولاتهن.. يحق أن نروى حكايتهن للأطفال ولكافة الأجيال ويحق أن نطلق أسماءهن على شوارع البلد الذى دفعوا أرواحهن من أجله..

كان مقرراً أن يحوى المقال قصة بطلات حرب السويس وكيف حملن السلاح للدفاع عن مصر فى مواجهة قوى غاشمة وغشيمة.. وكيف شاركن الرجال الذود عن بلدهن.. لكن فازت شهيدات ثورة ١٩ بالسطور كلها وهى قليلة.. يستحققن عشرات ومئات الكتب للحديث عنهن وتذكير شعبنا بما قدمن.. علينا أن نخلّد فى الذاكرة وفى مناهج تعليمنا وعلى جدران شوارعنا أيضاً أسماء زينب الكفراوى وزينب أبوزيد وأفكار العوادلى وليلى النجار وسلوى الحسينى والحديث متصل فى مناسبة ما قادمة بإذن الله!

المجد للشهيدات وللشهداء.. وللأبطال فى كل حين!