استدامة وكفاءة كرتونة رمضان

أمينة خيرى

أمينة خيرى

كاتب صحفي

تحولت كرتونة رمضان إلى منظومة قائمة بذاتها. لم تعد هذه اللافتة الجميلة التى تحمل وداً ومحبة جنباً إلى جنب مع رغبة أصيلة فى أن يأكل الأقل حظاً جانباً مما يأكل هو. أصبحت الكرتونة فى حد ذاتها غاية الصائم الميسور ونصف الميسور والصائم غير الميسور والتاجر. وتحولت المنظومة إلى كيانات ومؤسسات ورسائل نصية قصيرة تُرسل إلى الهواتف المحمولة وجمعيات وموظفين وموظفات وإعلانات تليفزيونية، وفيها يظهر الأشخاص الأقل حظاً بوجوههم كاملة متكاملة وإلى جوارهم أطفالهم وذووهم وأقاربهم وجيرانهم وهم يتحدثون عن مدة سعادتهم بتصدّق الميسورين عليهم لإطعامهم.

الرائع فى كرتونة رمضان منذ تحولت إلى منظومة هو أنها تعكس أن الراغبين فى عمل الخير كثيرون وأن بين هؤلاء الكثيرين مَن ليسوا ميسورين بل ربما يكتفون بكرتونة واحدة فيها مواد غذائية هى الأدنى سعراً وهذا، لو تعلمون، عظيم وجليل. كما أن تحويل الكرتونة إلى عمل مؤسسى ضخم يرأسه مديرون ويعمل فيه موظفون وموظفات وربما متبرعون ومتبرعات بالوقت والجهد ناهيك عن رغبة فنانين ومشاهير فى تشجيع القواعد الجماهيرية الغفيرة على البذل والعطاء فيظهرون فى إعلانات تليفزيونية ويشاركون بأصواتهم فى تنويهات إذاعية، وهذا إن دل على شىء فإنما يدل على رغبة جارفة فى الخير وشعور إنسانى عظيم بالرغبة فى العطاء.

ولكن كرتونة رمضان شأنها كغيرها من الأفكار الصغيرة التى تبدأ رائعة لافتة مختلفة ثم تتحول بفعل التنميط إلى مسار يختلف عن المسار المحدد لها أصلاً ألا وهو مساعدة الأقل حظاً «سراً» والتأكد أنه دون غيره الأحق مع ضمان شبه توزيع عادل، بحيث لا يحصل أحدهم على عشر كراتين، بينما يتوق آخر لكرتونة فلا يجدها.

وقد رأيت على مدار السنين، كما رأى غيرى، كيف أن البعض ممن يحصلون على عدد من الكراتين -سواء عن طريق مؤسسات «خيرية» أو أفراد- إما يبيعون محتوياتها أو يقايضونها أو يحصلون عليها رغم أنهم حصلوا على غيرها قبل قليل. وهذا ليس تقليلاً من عمل المؤسسات ورغبة الأفراد فى فعل الخير، ولكنها رغبة فى تعظيم الفائدة من هذه المنظومة الرائعة المتمثلة فى رغبة ومعها قدر لا بأس به من المال مع قدرة على صناعة وتوجيه الرأى والعاطفة والتوجه العام بالإضافة إلى قدرة محترفة على التنظيم والتوزيع والإدارة والاستدامة.

والحقيقة أن المطالبة بتصحيح مسار كرتونة رمضان موجودة منذ سنوات، لكن هذا المطلب فى العام الحالى بات أكثر إلحاحاً فى ظل الأوضاع الاقتصادية التى ألمّت بالكوكب ونالنا منها حظ وفير والبقية تأتى. تبدو الكرتونة طريقة سهلة وسريعة لإنجاز الجانب الخيرى والتكافلى. لكننا فى ظل الظروف الراهنة نحتاج لما هو أكثر من ذلك. ليس المقصود بـ«أكثر» زيادة كمية المكرونة والسكر والزيت، أو حتى تحسين جودتها، ولكن رفع كفاءتها وتطويعها بشكل يسهم فى التخفيف النسبى والمؤقت من الضغط الاقتصادى الكبير الحالى على فئات عديدة وليست الفئات القابعة فى قاعدة الهرم الاقتصادى فقط. أعرف تماماً أنه لا يفصلنا عن رمضان سوى أيام قليلة، لكن فى الإمكان إعادة النظر ولو جزئياً فى التوزيع، وأولويات المكونات وكذلك الاحتياجات، وربما القدرة على المساهمة فى رفع الضغوط، التى هى ليست أكلاً وشرباً فقط، عن عدد أكبر من الأشخاص لما بعد رمضان. وربما تنجح الفكرة ويجرى تعميمها.