غادة شعبان تكتب: أبى.. الوداع الأخير حتى يحين اللقاء

كتب: غادة شعبان

غادة شعبان تكتب: أبى.. الوداع الأخير حتى يحين اللقاء

غادة شعبان تكتب: أبى.. الوداع الأخير حتى يحين اللقاء

الثالثة صباحاً، ليلة الجمعة، دقات قلبى كانت تتسارع، لم أستطع أن أغفو مثلما اعتدت، الأرق كان ملازماً لى، لم أكن أدرك حينها ما السبب وراء ذلك، حتى تمام الساعة الرابعة، حينما اهتز هاتفى المحمول على عبارة مفزعة: «البسى بابا تعبان شوية وعايز يشُفنا»، الخوف سرعان ما ملأ فؤادى، بدأت فى طرح أسئلة عشوائية دون وعى: «بابا ما له حصل إيه هو كويس، تعبان إزاى، لسَّه سايباه من ساعات».

دون تردد بدأت فى كتابة رقم هاتفه للاطمئنان عليه، مع تكرار الاتصال عدة مرات، لكن دون جدوى، بعد محاولات كثيرة، هاتفت والدتى، حتى وجدت هاتفها مغلقاً، اسودت الدنيا، وتوقفت عقارب الساعة، دقات تلو الأخرى، فى انتظار سماع أخبار تُطيب خاطرى، تمحو تلك الأفكار التى تدور فى ذهنى، لترد شقيقتى الصغرى بصوت غير متزن وحاد «بابا تعب شوية ونايم متقلقيش، سبينى أنام ونامى انتى كمان».

دموع تنهال وبكاء مستمر، وغصة فى صدرى زلزلت كيانى، حتى وصل خطيبى والتقيت به فى السابعة: «محمد هو بابا ما له!»، ليبدأ فى جمع قواه «ما تقلقيش هو كويس وعايز يشُفنا».

4 ساعات ونصف، كان الوقت الأطول فى الحياة، رغم خلو الطريق من السيارات والازدحام، دون مقدمات شعرتُ بدموعى تنهمر بشدة، أحاول إخفاءها لكنها كانت مستوطنة فى قلبى قبل عينىّ، خشيت من سؤال ظل يدور بذهنى منذ الرابعة فجراً، وفضّلت الاحتفاظ به لذاتى: «هو بابا عايش؟».

5 دقائق فاصلة عن الأمل والألم، حينما اهتز هاتفى لآخر مرة «هو صحيح الأخبار المنشورة دى»، حينها تأكدت ظنونى، وبدأت أبكى بكاء عالياً أمام الجميع والمارة «بابا مشى.. بابا مات»، شعور لا تسع كلمات اللغة وصفه، خطوات متثاقلة، مشاعر متناقضة، حينما دخلت منزلى، أبحث عن والدى، الجميع يرتدى ملابس سوداء، البكاء يكسو الوجوه، يُمسكون بكتاب الله يقرأون من آياته، داعين له بالرحمة والمغفرة، حتى رأيت وجه أمى، الصمت حالها من هول الصدمة، تنظر إلىّ نظرة خوف، فقد فقدت الحبيب والزوج، حتى سقطت على الأرض، وفى أحضان شقيقتى الصغرى، غير مدركة لمن حولى، الجميع يحاولون الإمساك بى، جسدى وأسنانى كلاهما يرتعش، مرددةً: «بابا قوم يا بابا.. أنا جيت لك، هو زعلان علشان سافرت»، حتى فقدت الوعى.

الوداع الأخير كان أكثر ما كسرنى يا أبى، حاولت نزع الغطاء الأبيض من على وجهك، وفك الأربطة، مع رفض المتواجدين: «خلاص اتغسل واتوضا»، تحسست جسدك النائم فى سكون، وضعت على جبينك قبلة، وعلى قدميك، حاولت احتضانك للمرة الأخيرة، والإمساك بيدك، وهمست بأذنك: «هتوحشنى، هنتقابل قريب»، وطلبت منك المسامحة إن قصرت فى حقك، ومن الله أن يتغمدك برحمته.

مشهدك كان مهيباً يا أبى، كعريس ليلة زفافه، مئات من المشيعين يؤدون الصلاة عليك، داعين لك بالرحمة، يذكرون محاسنك، غير مصدقين خبر رحيلك، أنظر إليهم فى ذهول وأتساءل على من تصلون وتبكون، وأردد هل مات أبى حقاً؟، حتى حان الرحيل، لمستقرك الأخير، جسدك لم يُدفن تحت التراب فقط، بل دُفن فى قلبى وروحى أيضا..كُنت وستظل الحبيب والرفيق والأب، سلام عليك يا أبى حتى يحين اللقاء.


مواضيع متعلقة