التلوث العقلى
قال الإمام على بن أبى طالب رضى الله عنه: «إذا أقبلت الحكمة خدمت الشهوات العقول.. وإذا أدبرت خدمت العقول الشهوات»، إنها الحكمة التى تزين العقول الواعية أما افتقادها فيلهب النفوس الثائرة التى تندفع فى سلوكياتها فتؤذى نفسها ومن تحب ومن تتعامل معه.. أو تزيد من برودة النفوس الخاملة ليزيد فشلها فى الحياة.. قالوا: «الحكمة ثمرة ذوق كريم وعقل حكيم وقلب سليم»، وهنا نشير يا سادة بمنتهى الاشمئزاز لفئات من أهل البلد الطيب.. طار منهم العقل وأثّرت فى وجدانهم مشاهد درامية دموية فى مسلسلات وأفلام.. فئات حرموا من رعاية الآباء وافتقدوا أبسط الحقول فى التوجيه والإرشاد.. ناهيك عن تلعثم العملية التعليمية وسوء حال المدارس والمدرسين.. فترات ليست قصيرة من زمن فات أغفلت الدولة رعاية المجتمع فأصاب بعض أفراده جنون من طار منه العقل وذهب منه المنطق! مثال: هالنى خبر قرأته عن صاحب محل أجهزة إلكترونية.. الذى أشعل النيران فى محله بالموسكى لكسب تعاطف الدائنين وحتى يحثهم على التنازل عن مستحقاتهم المالية! منتهى السفاهة، محله يحتوى على بضائع غالية الثمن.. فلماذا لا يبيعها ويسدد ديونه بالعقل كده.. بدلاً من هذا السلوك المجنون؟!
وأقلب الصفحة على جريمة أشد ضراوة وجنوناً.. تتحدث عن زوج قتل زوجته ثم أحرق جثتها لأنه علم أنها حامل فى بنت، فى البداية الخبر أسعده ولكن عندما علم أن الجنين بنت انهال عليها ضرباً حتى «توفاها الله» فحملها إلى مكان خالٍ وأحرق جثتها.. أتأسف والله من بشاعة ما أسرد وكآبة أحداث تطل على وجه أم الدنيا أحياناً تحاول حجب بهاء خير أمة أخرجت للناس.. ولكن ستظل مصر فجر الحضارة وسنظل نردد نحن المصريين والغرباء البعاد والقريبين أغنية «فيها حاجة حلوة».. وسيتم إن شاء الله القضاء على هوجة فوضى السلوكيات المستجدة والغريبة عن أرض أم الدنيا كما قضت مصر الجديدة على العشوائيات التى كانت نتيجة طبيعية لخمول ذهنى منذ سنين فاتت ورخامة نفوس غارقة فى بحور المصالح الشخصية ودواماتها المتدنية وفساد ضمائر الكثير من المسئولين فى كثير من المواقع شديدة الحساسية فى الدولة، وكأن الخوف من الله وحساب الآخرة ليست على البال.. لسنوات طوال ظل غول الفساد يحوم ويدور حول موائد الشيطان.. موائد تمتلئ بجميع أصناف الصفات الكريهة من عدم حياء وطمع وأنانية وجشع للثراء بلا أدنى اعتبار لطريق الحصول عليه سواء بالقانون أو بمراوغته! وينسى البنى آدم أنه لن يأخذ إلا الخير والعمل الطيب الذى قام به!
وأنهى حديثى عن هروب العقل من رؤوس بعض مجاذيب الشر.. وأذكر هنا جريمة فتاة المحلة «نيرة» التى قتلت على يد زميلها العاق المجذوب المشدود لثوران العقل وفساده.. فلا يمكن ابتلاع ألسنة تصفه بحسن السلوك إلا عندما يضرب أمه وأخواته، وهناك من لا يصدمه ذبح المسكينة البريئة التى تبرأت من الارتباط به لعدم الود والحب وهذا حقها فالحب ليس بالعافية، وهناك من يثرثر بسفاهة يطلب التريث وعدم الحكم على هذا المجرم قبل معرفة «الحقائق» وأقول ليس بعد القتل والشراسة الإنسانية أى رحمة.. «من لا يَرحم لا يُرحم» ولن يرأف بحاله إلا من تلوّث عقله بالإجرام مثله.. ولن يقوى على استجداء أى تعاطف بقوله «ادفنونى معها» أحبها حب جنون، وأقول من يحب لا يؤذى حبيبه.. فهو مجرم لم يجد من يرشده إلى طريق العقل والاستقامة أبداً.. والنتيجة: جريمة مرعبة يا سادة، لن يستقيم المجتمع إلا بالتربية والتعليم وإعلام راقٍ صاحب رسالة وليس «مصاطب للمكلمة» وهوساً وجرياً وراء السبق الصحفى! يا دولة تدخلى وانتقى من يفتى فى أمور الدين والدنيا وأعيدى بناء عقول تلوثت وأهملت عن طريق إعادة الاهتمام بالفنون وليس بالغناء فقط وحفلاته.. الفنون تروِّض توَحُّش العقول!.. يا رب.