أنا المدير

نتفق أن مصر أم الدنيا.. وأهلها يشهد لهم التاريخ بأنهم أهل كرم وخصّهم الله بخصائص غاية فى الثراء أهمها الذكاء والجلد... ولكن مصر من سنين فاتت وهى تئن من أوجاع أمراض مزمنة، منها اللامبالاة.. الإهمال.. الكسل الرذيل، عدم التأنى والدقة فى إنجاز كثير من الأعمال.. «بعيداً عن شباب متميزين أقاموا مشروعات عملاقة بهمة مبهرة».. إننى أتحدث عن فئات كثيرة تم إفساد روحها تدريجياً منذ خمسين.. ستين سنة وأكثر.

 يقول الشاعر: «طلب العلا من غير كدّ.. أضاع العمر فى طلب المحال».

 والسؤال: أين السعى الدءوب لكسب الرزق بلا تلكؤ ولا مد اليد للأهل ولو كانت الرءوس شابت؟!!

لا بد من تغيير أفكار كثير من شبابنا ليفيقوا ويغيروا عالمهم الذى أغراهم بالرحرحة ورفض العمل الجاد لقلة عائد محتمل.. ولا يصبرون على اجتهاد وهمة تزيد من أرباحهم بجديتهم وتعبهم؟!! فكر ضحل واستسهال تأجيل العمل والإصرار على تأسيس عمل خاص يتبوأ فيه الشاب قيادة العمل.. ويقول بصوت عالٍ وبصدر مفتوح أنا المدير؟!! وهنا أهمس لكل شاب يؤجل طموحه سنوات بحثاً عن فرصة «عمل خاص»: هل أنت كفء لإدارة هذا العمل الخاص.. هل تملك إمكانيات ورفاهية الانتظار.. الذى قد يطول؟!!! ألا يستخسر الشاب سنوات عمره التى تضيع هباء فى انتظار ما قد لا يجىء وإذا جاء أليس خسارة فقد أيام غاية فى الثراء دون جنى ثمار عمل أحلى أيام العمر وأفضلها؟!!

رأيت شباباً يرفض وظيفة مهمة بحثاً عن مكتب خاص يتبوأ فيه إدارة العمل.. لا يرغب أن يلتحق بوظيفة لا يكون فيها هو المسئول «المدير» «كدهو» دون مقدمات ولا حتى مؤهلات قد تؤهله لتولى مسئولية العمل الخاص.. مثال: المهندس أحمد عمل لفترة فى المؤسسات البترولية الهامة وكان ناجحاً ومتميزاً وهذا أغراه بالاستقالة والاتجاه للعمل الخاص، لكنه فشل فشلاً سريعاً؟!! وآخر يدعى رءوف لم يرأف بحال والده المسن وتخرج فى الجامعة وتعدى عمره الثلاثين ولم يعمل.. رافضاً أن يكون تحت إدارة وإرادة أحد وما زال يأخذ مصروفه من الوالد! وأتذكر طلب من تساعدنى فى أعمال المنزل لإيجاد عمل لابنها الذى اقترب من الأربعين ولم يعمل ومتزوج.. وفعلاً وجدنا للابن عملاً يناسب مؤهلاته بمرتب تجاوز 800 جنيه «من عشر سنوات» ولم يوافق الابن ورفض ساخراً من المبلغ وضآلته؟! واستمر معتمداً على عمل المسكينة الطاعنة فى السن!!

وفى «الوطن» قرأت عن «إبراهيم» الذى تخرج فى كلية الحقوق عام 2015 ولم تكن له رغبة فى العمل فى مجاله، فقام بعمل حساب شخصى له يقدم من خلاله محتوى هادفاً للناس على منصات مواقع التواصل الاجتماعى!! الكل يبحث عن المزاج فى العمل ولو ضاع العمر هباء واقتصر التقدم نحو الأفضل على خطوة للأمام وعشرة للوراء.. «إبراهيم» وجد ضالته، جبر الخواطر للناس.. ولكن المستقبل يتم صنعه وقت الشباب.. حتى لا يعض الشاب على أصابعه لاحقاً، قائلاً: ليت يعود الشباب.. لأنتج وأعمل وأنجز.. الإنسان الذى لا يعمل بعلمه كالشجرة المورقة لا ثمر لها.. مصر الجديدة تبحث عن إنتاج واجتهاد.. وليس عن مناصب ورحرحة منتقاة شعارها.. «أنا المدير»!!