الشوق لمصر
نحن فى زمن تحول الغناء من لهفة لإثراء الوجدان بالجمال إلى لسعة توجع الأبدان.. نعم بلا مبالغة نقول: كان ياما كان للقوة الناعمة المصرية قدرات متميزة فى النغم الراقى والصوت الجميل الذى يضاهى شدو البلابل، وفجأة تدريجياً تسلل فن ردىء غريب الهوية.. مزعج بركاكة أصواته وفجاجة كلماته.. انتشرت أغانٍ تنفخ فى بوق صاخب، وبأفواه مبهمة الألفاظ، وأبدان تقفز بلا وعى تقدم أغانى على رنة الطبلة والمزمار تفتقد أى معنى أو ذوق أو صوت!
وهذه الفوضى الغنائية أضفت عشوائية على الساحة الفنية وأفسدت الذوق العام، وبعدما كنا نسهر مع أم كلثوم كباراً وصغاراً كل خميس.. نسمعها تشدو بأحلى كلام فى الإذاعة، ونسمع عبدالحليم وفريد وشادية ونجاة وهانى شاكر وو.. كلها أصوات مثل الفاكهة المثمرة حلوة المذاق.. كل أحلى من الآخر.. إذا بهادر شرس يسمى «فناً» يُغرق أولادنا وشبابنا فى بحر قبح الأغانى اللزجة.. أصوات تصرخ ولا تغنى.. تقدم «فناً» يصم الآذان، يقولون شيئاً ما فى أغانيهم غير مفهوم عادة! وإذا فهمنا يكون سخيفاً وبايخ المعنى! ولهذا هناك لقطة أسعدتنى فى أحد البرامج.. عندما رأيت تكالب الشعب السورى على شراء تذاكر لحفل الفنان هانى شاكر الذى سيقام فى سوريا هذا الشهر بإذن الله.. لفتة تقول «مصر وحشتنا.. مصر الراقية المتميزة فناً». وقد قال هانى شاكر: يسعدنى اهتمام ومحبة هذا الشعب الجميل للاستماع لى.. وقال أيضاً: «لم أغنِّ فى سوريا لأكثر من خمسة عشر عاماً ومازالت الناس حافظة أغانىَّ».. ويقول: وهذا يعكس أن الفن الأصيل باقٍ، رغم كل التغيرات على الفن الرصين الجميل، وهذا «يطمئن»!! وأقول له: يا فنانا الجميل، هذا يطمئنا كلنا أن هناك أملاً أن يتقدم الجمال وروعة الفن الصفوف، وقد يختفى يوماً ما أو ينخفض صوت القبح وتنجو القلوب والأذواق من كآبة وفوضى كلمات ليست كلمات بل هى «لكمات» تؤذى القلوب وتغرى النفوس بمراوغة الذوق العام اللطيف!
إن أصحاب غناء ميكروفونات الصوت العالى والغناء المستجد كأنهم ينفخون بودرة العفريت فى الساحة ليرقص الشباب «ويفط وينط» بلا وعى ويترنح وجعاً وليس انسجاماً! وهنا أدعو الله أن نخفف من دعم هؤلاء الراقصين الجدد، ولا أقول إغلاق ميكروفوناتهم الصارخة المؤذية للآذان والأبدان، ونمنع وجودهم المستمر على قنواتنا الرئيسية فى «ماسبيرو» المسئول عن توجيه وإرشاد وتنمية الذوق العام للمجتمع ودعم الرقى وتجاهل القبح وإنما نعضد الفن الراقى.
وكما قال نيتشه: كلما ارتقى عقل الإنسان قلت رغبته فى الضجة! وأقول للشعب السورى: أهلين وسهلين، سنبعث تحياتنا وأشواقنا لشعبنا العظيم فى سوريا.. ونعلم أن الشوق لمصر يملأ قلوب حبايبنا.. أعز الناس حبايبنا!