اسمع كلامك «أصدقك».. أشوف فعلك «أحترمك»
عادة، لا يأسرني القول، مثلي يعلم أن الأحاديث صنعة بعضهم، وأنها حتى لو صدقت فلن يكون لها مثل أثر الفعل.. أن تفعل خير وأحب عند الله وعند عباده من أن تتحدث عما تفعل.. وهذا هو السيسي.
للرجل طلة، محبة، حضور، كاريزما، كل هذا له ولغيره، يتفرد عنهم بأن حديثه لا تبذل جهدا في تصديقه، تشعر بصدقه وتلمسه، ليس لما يقول، لكن لما يبرهن به مع القول، وهو الفعل دوما.. تحدث بالأمس، كعادته، لم يرتب مداخلاته التي تقاطع بها مع الوزراء في استعراض افتتاحات مدينة المنصورة الجديدة، توقف عند مشهد للمدينة منذ 100 عام، وأندهش أن يقضي التحضر والتمدن على الجمال، مطالبا وزرائه بأن يكون الهدفين حاضرين في كل المشروعات، نحافظ على الجمال والهوية، ونبني مدن مستقبلية.. كلاهما يكمل الأخر لا يقضي عليه.. تحدث باللغة التي يفهمها كل المصريين، لكن لا يطبقها الجميع، لغة من اقترب من ربه بالعمل والفعل، راجيا سداد الخطوة وعظم الأجر.. كلنا نفعل هذا مع الفارق، قد نقترب عبادة وليس فعلا، نرجوه دعاء، نطمع في الأجر دنيا، في حين أن سداد الخطوة هو أجر بالفعل.
تابعت الافتتاحات وحديث الرئيس وحضوره ودقته في المقاطعة وكلماته التي تعكس كيف يستعد للقاء المواطنين، وذهنيته الحاضرة في الدفاع عن مقدرات شعب يفكر في قوت يومه، بينما يفكر قائده في آثار قراراته بعد 50 عاما من اتخاذه لها.. وجاء وقت التكريم، اللحظة التي يصافح فيها الرئيس مواطنا، هي بالنسبة لي أهم لحظات ومشاهد أي احتفالية أو افتتاحات يشارك فيها الرئيس، اقرأ العيون جيدا، وانتبه لحركة الشفاه، الفرحة والرهبة التي تظهر على المواطنين ليست مصطنعة، قطعا لا يمكن اصطناعها، قضيت عمري كله في الشارع مع المواطنين أبحث من ورائهم عن قصص غير عادية بين أناس عاديين فاظفر بها، لذا فما أقوله لدي عليه يقين من الخبرة والوعي، حركة الشفاه تنقل لي أحاديث ودودة، كلما اقتربت الكاميرا كلما قرأت أكثر، إنه لقاء أبوي، يتمتم الرئيس بكلمات يكثر فيها الحمد والشكر، وتعلو وجهه ابتسامة خجولة من فرط احتفاء وصدق ما يسمعه من المواطنين.. كل شئ في هذا العالم يمكن ترتيبه وتحضيره، إلا المشاعر، ولا تتفق العيون والشفاه على احساس بعينه، إلا وكان صادقا.
أعرف الملهمة رنا حامد، معرفة كل المصريين بها، هي مجرد خبر لفتاة كافحت الظروف وتحدت الإعاقة وخرجت عن المألوف، وأصبحت أول صاحبة دكتوراة في الأدب الإنجليزي من متحدي الإعاقة البصرية.. حكاية ورائها أبطال كثر، من منزل آمن بها وأم كافحت من أجلها وجامعة منحتها الفرصة، وإرادة لبطلة وملهمة قررت أن تحول عثرتها لقوة وضعفها لتحدي.. نادت المذيعة المتألقة على أسمها، فسارت بجوار والدتها تصعد سلم المسرح بقوة وابتسامة، لم ترتد نظارة سوداء، حملت شفتيها وعينيها ملامح الفرحة واحاسيس البطولة.. ها أنا الآن أقابل الرئيس، لسان حالها يقول، والدتها التي تشبه أمهاتنا جميعا تبادلت حديث بسيط مع الرئيس، هنأها غير مرة، مبروك مبروك..ألف مبروك، الحمد لله، ربنا يوفقك وأحنا معاكي.. هذا ما قاله الرئيس لرنا ووالدتها.. ولن أقول ما قرأته على شفاه رنا ووالدتها، يكفي ما نقلته العيون من فرحة والشفاه من ابتسامة.. انتهت اللقطة التذكارية وهمت والدة رنا بحمل درع التكريم في يد والإمساك بابنتها باليد الآخرى.. هنا طلت من عيني الرئيس نظرة رجفت قلبي فرحا، نظر لمساعده أن يحمل عنها الدرع وأن يوصلها إلى حيث تستقر.. نظرة واحدة خطفت الكاميرا لثواني، وخطفت معها كل العيون الناظرة إلى رجل بحجم قائد عظيم، لم يترك فرصة إلا وأثبت فيها فعلا وعملا وقولا أنه يقدر المرأة المصرية، التقدير الذي نصت عليه الأديان السماوية جميعها، والتقدير الذي تربى عليه الرجل المصري الأصيل.
أعزائي.. الأحاديث قابلة للتشكيك والرد، لكن المواقف على الأرض لا راد لها ولا تشكيك فيها.