حتى تكتمل الصورة.. تنمية سيناء! (18)
أربعون عاماً قبل 2014 وحلم تنمية سيناء أحد أهم وأكبر أحلام المصريين المؤجلة وحتى إشعار آخر.. أربعون عاماً والحديث يدور عن سر ترك سيناء بلا عمل.. بلا أمل رغم أن مجال التنمية مفتوح ودواعى الأمن القومى تقتضى ذلك.. أربعون عاماً والكل يتساءل عن سر ترك هذه المساحة بلا أى أفق حتى يشير إلى النية.. مجرد النية فى أن هذه الأرض ينتظرها أى شىء..!
وما أن استقرت إرادة المصريين على تولى الرئيس عبدالفتاح السيسى المسئولية فى مصر إلا وبدت ملامح ما كنا ننتظره وتنتظره سيناء.. فلم تكن القصة على الإطلاق قصة إمكانيات.. ولم تكن قصة تخطيط لا نجده ولا نجد كوادره.. ما كان ينقصنا وينقص سيناء وينقص مصر كلها هى «الإرادة السياسية» التى تحتاجها ملفات معينة لا يمكن الاقتراب منها بغير توفرها.. كثيرة هى الملفات التى تحتاج إلى ما سبق.. أموال وكوادر وتخطيط.. لكنها قليلة وخطيرة ومهمة المشروعات التى تحتاج إلى القرار.. والقرار إرادة فى حقيقة الأمر!
كانت سيناء وهى يد مصر الموجوعة التى يضغط عليها كل من يريد أن يهدد مصر تحتاج إلى عملية كبرى لتنميتها.. لخلق فرص الحياة للملايين فوق أرضها.. لربطها بالوادى وبباقى كتلة الأرض المتصلة فى مصر.. لتكون الحياة ومظاهرها فى كل مكان.. باختصار: زرعها بالبشر ليستحيل تهديدها من أى عدو.. من أى طرف.. من أى جهة.. هذا هو التأمين الحقيقى والعملى.. فخمسة ملايين فى سيناء يعيشون ويعملون ويزرعون وينتجون سيجعل من المستحيل على أى عدو احتلالها ولا البقاء فيها ولا حتى مجرد التفكير فى الأمر.
سيصعب مهمة أى مجرم ينحرف فى سلوكه مع مجتمع سيناء.. وجود فرص العمل أصلاً سيحاصر كل فرص وصور الانحراف!سيناء.. مساحة كبيرة من الأرض.. عدد قليل من السكان.. فـ61 ألف كيلومتر تعادل مساحة بلد حبيب وشقيق مثل لبنان 6 مرات تعيش فيه 18 طائفة وعدة ملايين من اللبنانيين تتجاوز الـ7 ملايين لا يسكن فيها إلا ما يزيد على ثلاثة أرباع المليون تقريباً فى أفضل الإحصائيات!
هو ما يعنى احتياجنا إلى عمل كبير.. وحتى نقترب من الصورة أكثر وأكثر علينا أن نعرف أن مساحة دلتا مصر بمحافظاتها وكثافتها السكانية 12375 كيلومتراً تستوعب وفقاً لإحصائيات 2015 ما يقترب من 20 مليون مواطن!
ورغم الصورة الذهنية الصحراوية الصفراء فى سيناء إلا أنها تعج بكنوز وإمكانيات كبيرة.. سواحل تزيد على 670 كيلومتراً وإمكانيات كبيرة للصيد وكنوز فى باطنها من معادن ورخام وجرانيت وبترول وقبائل عريقة مشهود بوطنيتهم.. لكن أدى الإهمال ومحدودية فرص العمل إلى لجوء البعض إلى وسائل أخرى للحصول على المال منها التهريب والمخدرات وفى مجملها فرصة استغلتها الجماعات المتطرفة!
كان ذلك فى ذهن القيادة السياسية بعد 2014 خصوصاً أن الحرب مع الإرهاب كانت مشتعلة وهو ما صعب المهمة رغم وضوح الدوافع أكثر وأكثر!
فمن معركة كبيرة على كل أرض سيناء مع الإرهاب الذى كانت سيناء كلها مرتعاً له.. إن لم يضرب فيها بقنابله ورصاصه كانت بكاملها مسرحاً لاختباء وهروب أفراده ومعسكرات لتدريبهم.. وكانت أعمال التنمية وسط المتفجرات والألغام وعمليات الهجوم والكر والفر أمراً صعباً للغاية حتى بعد إجبار الإرهاب على العمل فى مثلث النار كما أسميناه فى العريش.. رفح.. الشيخ زويد وهى مساحة أقل من الـ300 كيلومتر لكن هذه المدن مع بئر العبد هى عصب سيناء ومركز أهم عائلاته وكتلته السكانية خصوصاً فى شمال سيناء طبعاً!
ولذلك كان العمل فيها تجسيداً عملياً وحقيقياً لشعار ما بعد حرب 1967 وهو «يد تبنى ويد تحمل السلاح».. ورغم أن ذلك ليس سهلاً فالعدو هذه المرة شبح يختبئ ليظهر ويضرب بخسة ثم يختفى، لكن كانت الإرادة كما قلنا فى أول الحديث أقوى مما سواها.. ومع ذلك كان التخطيط والتمويل والخبراء حاضرين جاهزين.
فمبلغ الـ600 مليار جنيه الذى أعلن عنه الرئيس كبير ولم يكن متوقعاً والبدء بتوفير سبل التواصل مع سيناء بأسرع وقت وأسهل وسيلة بالأنفاق الشهيرة مدهش فى عمله ومراحله وتصميمه وسرعة الإنجاز فيه.. تزامناً مع عدد آخر من الجسور مع إحياء خط سكك حديد الفردان وإحياء كوبرى السلام المغلق أمنياً لضمان سلامة المواطنين حتى وصلت نقاط العبور إلى سيناء ومنها لأكثر من عشرين نقطة بعد أن كانت نقطة واحدة، ومن ساعات طويلة تصل إلى أيام للمرور بالسلع وغيرها إلى دقائق معدودة!
ولكن يبقى السؤال: ماذا جرى فى سيناء بعد ذلك؟ وأين ذهبت الـ600 مليار جنيه التى رصدت لتنمية هذه الأرض الغالية على كل مصرى وعربى؟!
وهل ساهم ذلك فى عودة الحياة إلى طبيعتها هناك؟! انتظرونا بإذن الله الحلقة القادمة.