يوم خدشتني القطة!

مى حمدى

مى حمدى

كاتب صحفي

رغم حبي الشديد للقطط الذي بدأت أعراضه في الظهور بعد سن الثلاثين، إلا أننا وبكل أسف لم نستطع العيش سويا. لذا قررنا بعد تجربتين قصيرتين الانفصال كأصدقاء، وأخذت عهدا على نفسي بعدم تكرار تجاربي الفاشلة حتى لا «أبهدل ولاد الناس» أو بمعنى أصح قطط الناس معي ثانية، الأمر الذي أبرره حتى الآن لأبناء أخي عن طريق التحجج بالوالدة، رغم أنّي كنت من قبلها في كل مرة أحزم للقطة متاع الرحيل في صمت تام مع حزن مهيب مني وربما دموع من أمي، مختلطين برضا تام عن القرار الذي أقره عقولنا وأبته قلوبنا.

وحيث إنّ أعراض عشق القطط لم تختف بعد الانفصال بل ربما زادت واشتدت بشكل تصاعدي عنيف، وحيث إنّي شغوفة بإطعام الحيوانات بشكل عام، فكان من الطبيعي نتيجة لذلك كله أن أحمل في حقيبتي دوما طعاما للقطط والطيور وما يستجد.

«زي أبوكي»، كلمة عمتي التي ما زالت ترن في أذنيّ، رغم رحيل والدي منذ سنوات عديدة وقبل أن أبدأ هذا الشغف، ورغم أنّي لم أنتبه للأمر أو أقصد أن أقلد أبي، ولكن كلمة عمتي لفتت انتباهي لهذا الأمر.

كان أبي يطعم الكلاب، والقطط، والطيور، بل والنمل!! أعترف أنّي أقوم بإنقاذ النملة إذا وجدتها على وشك الغرق على حافة الحوض، ولكن لم يخطر ببالي أبدا أن أطعم نملة! الأمر الذي لم يغفل عنه أبي، حيث اعتبر النمل كائن حي يثاب إذا أطعمه، رحمه الله وجعله في ميزان حسناته.

كان من الطبيعي نتيجة لذلك كله أن تراني «أطارد» القطط بشغف في النادي وفي الشارع أحيانا لأضع لها الطعام، أسابق أبناء أخي و«أخانقهم» أحيانا لأظفر قبلهم بإطعام قطة أو التربيت عليها، بل واستضافتها أحيانا في حجري غير عابئة بما تحمله من آثار الشارع، وسط «استحسان» الكثيرين من أهلي وصديقاتي بتلامسي الشديد مع قطط الشارع.

كثيرا ما قيل لي إنّ القطط غدارة، و كنت أعرف أنّ إطعامي لقطة وحناني معها لن يمنعها من إيذائي ولو دون قصد، ولكن لا حيلة لي في عشقي لهم غير المشروط، ولا في ذوبان قلبي حين أراهم، وحين يغمضون لي أعينهم في حب وسعادة بعد لقمة أو تربيتة، وحين أشاهد مقاطع فيديو للقطط كل مساء وأغرق أمي بهذه المقاطع مع استماعها الإجباري للمواء الصادر عن هاتفي.

في ذلك اليوم لم أكن في أفضل حالاتي النفسية دون سبب محدد، ففكرت أن أمشي قليلا، وأقابل قططي العزيزة في النادي لأخذ جرعة من السعادة. كانت هذه القطة كبيرة بعض الشيء ولا أذكر أن نشأت بيننا صداقة من قبل، فكانت تخاف وتبتعد حين كنت أحاول التربيت عليها بعد أن شكرتني بعينها على الطعام. لماذا أصررت إذن على ذلك؟ حقا لا أعرف ولكنه القدر. لم أشعر إلا وهي تمد يدها لتخدشني وأنا أقرب يدي منها عدة مرات لتطمئن إلي.

استكملت قهوتي بهدوء في محاولة لعدم إفساد يومي وأنا ارى خط الدم الرفيع في إصبعي، ولكنه في النهاية مجرد «خربوش».

تجاهلت تماما معلومة ضرورة أخذ المصل رغم علمي بها، وقررت ألا أخبر أحدا. لم أرد إزعاج أسرتي ولم أكن مستعدة للاستماع لأي تأنيب، ولم أرد أن يكون الأمر وبالا على أبناء أخي بالخوف عليهم من القطط. ثم ارتأيت أن أذهب إلى عيادة النادي لتطهير الجرح، ولسبب أهم غير معلن هو أن أطمأن أنّه بإمكاني تجاهل التطعيم. وما إن رأت الطبيبة الخدش - رغم استخفافي بالأمر - حتى أكدت لي قبل أن أسألها «لازم تروحي مستشفى حكومي تاخدي المصل!!». حاولت «الفصال» في الأمر إلا أنّ كل من أعرف من أصدقاء أطباء أكدوا لي ضرورة أخذه.

لم يزعجني «الخربوش» على الإطلاق، وإنّما زاد من عصبيتي محاولة إخفاء الأمر على أسرتي واختلاق أسباب للتأخير، خاصة وهم في انتظاري على مائدة يوم الجمعة، وفي النهاية أزحت الأمر عن كاهلي بإبلاغهم بالأمر في وسط مزاح وتبسيط من ناحيتي، لتبدأ رحلتي في البحث عن المصل، بعد أن صرخ في أخي «أنتِ لسه هستني لبكرا!!؟».

كثيرا ما يشعرني أخي أنّي إحدى بناته، حين يطلب مني كأولاده عدم الدخول في عمق البحر، أو حين يجدني غير مبالية بأمر يراه خطيرا، وكانت هذه هي إحدى هذه المرات. أتجول في المستشفيات الحكومية بحثا عن المصل.

أضع الطعام لأول قط يقابلني في أول مستشفى مع قليل من الحذر، وبعد زيارة بضعة مستشفيات آخذ الجرعة الأولى من خمس، بعد أن داعبت من بعيد قطة رمادية جميلة في مدخل أحد المستشفيات بكثير من الحب.

وحيث أبى أبناء أخي تركي في رحلة البحث وحدي، فقد استكملوها وأخي أيضا معي، حيث أكد لي الصغير ذو السنوات التسع «أنا راجل ومينفعش أسيبك لوحدك» بينما أصرت أخته الأكبر أن ترافقني وتتشارك معي ضريبة حب القطط كما تشاركني أوقاتي الحلوة معها، فكان من الطبيعي أن ينظرالعاملون بالمستشفيات التي ذهبنا إليها إلى الصغيريّن متسائلين عن «الحالة» لأجيبهم في ثقة طفلة أربعينية «أنا!» وسط ضحكي وضحكهم!.

مر فصل آخر في حكايتي مع القطط بسلام دون خسائر كبيرة سوى كلمتين من أمي «عارفين لو مسكتوا قطط الشارع تاني!»، طمأنتها وأنا أعرف أنّها ستستمر في إطعام قطط النادي برحمة حين تأتي تحت قدميها ناظرة إليها في استعطاف.

ولكني رغم ذلك لا أستطيع أن أخبرها – على الأقل حتى تهدأ الأمور - بالصداقة الوليدة بيني وبين القطة الرمادية في المستشفى التي آخذ فيها التطعيم، والتي بدأت في زيارتي الثانية بكثير من الحب والتربيت. لا أستطيع أن أعدك أني سأبتعد عن القطط يا أمي، ولكن فقط قد أكون أكثر حذرًا، والحذر لا يمنع قدر!.