أنا والجروان

مى حمدى

مى حمدى

كاتب صحفي

حسنا! يبدو أني لم أتعاف بشكل كامل من «فوبيا» الكلاب، بدأ الأمر حين طاردني كلب في طفولتي فجريت وسقطت لتجرح ركبتي بشدة، فلازمتني «الفوبيا» مع مرور سنوات عمري، استمر الأمر حتى قضيت عاما في جنيف. كانت الكلاب في كل مكان، المواصلات، والمقاهي، والحدائق، فكنت -شئت أم أبيت- أجدها على بعد سنتيمترات مني. والحق يقال إنها كانت كلابا «بنت ناس» و«متربية»، «لا بتهش ولا بتنش»، ولا تسمع لها صوتا، حتى أن أمي كانت تعلق على هدوء جنيف قائلة بدهشة: «ده حتى الكلاب مش بتهوّهوّ». لذلك كان من الطبيعي وقتها أن أعتاد الكلاب وأتخلص من خوفي القديم، بل أني مع مرور الشهور أحببتها وصرت أداعب بل وأحمل كلاب جيراني في الحديقة!

حين عدت لحياتي الطبيعية في القاهرة، ومع تلاشي آثار أيام جنيف بالتدريج صرت في مكان ما في منتصف الطريق ما بين «فوبيتي» القديمة وحبي واطمئناني المستحدث للكلاب. فمثلا لم أعد أغير طريقي برعب إذا ما مررت بكلب في الشارع، بل وأني نجحت في قضاء يوم عند صديقتي بينما كلبها يحوم في المكان. ساعدني هدوئه ووداعته، وربما استطعت التربيت عليه ولكن لم أرتح أبدا للاقتراب الشديد ولم أستطع أبدا استضافته بجوراي أو على حجري كمحبي الكلاب أو كما أفعل مع القطط، أما كلبة صديقتي الأخرى «الودودة» جدا والتي بإمكانها طرحك أرضا عند السلام من شدة الحب والشغف فلم يكن بوسعي سوى أن أطلب منها إبقائها في مكان مغلق حتى أغادر.

ولكني اليوم اكتشفت أن الفوبيا أو القلق على أقل تقدير مازالا يلازماني، لسنوات طويلة كان شارعنا هادئا، حتى بدأت تسكنه مجموعة من الكلاب لا أعرف مصدرها، وقواعد الدين والرحمة والإنسانية تمنعنا من إيذائها أو حتى إزعاجها، ولكني لم أستطع التعامل مع الأمر بشكل طبيعي مائة بالمائة. فكنت تارة أسير من الشارع الخلفي لتجنبهم، وتارة أستغيث برجال «السوبر ماركت» المقابل لتأمين الطريق، وتارة أمر أمامهم بثبات ظاهري يحاول التغطية على دقات قلب متسارعة أعرف أن الكلاب تشعر بها. ازداد الأمر سوءا حين تكاثرت الكلاب وأنجبت جراء صغيرة لا أستطيع إنكار جمالها، ولكن ماذا أفعل في عقدتي القديمة؟

رأيت أحدهم ذات يوم وكنت كالعادة أحمل طعاما للقطط، ناديته بشجاعة فنظر إلى وعلى وجهه تعبيرا أستطيع وصفه من مزيج من البؤس و«الغُلب» والاستعطاف، فألقيت إليه الطعام وغادرت مسرعة قبل أن يشكرني بلعق أو التصاق.

وحين غادرت منزلي اليوم في الصباح الباكر – مع شبه خلو الشارع من المارة – اندفع إلي جروان لتتسارع رغما عني دقات قلبي. سرت بثبات متجاهلة إياهما مع إصرارهما على الاقتراب مني والنظر لكيس طعام القطط الذي أحمله، لأبدأ في «الميكانيزم» الدفاعي الشهير: «هشششش... هششششش» ليتراجعا إلى الخلف ثم يعيدا الاقتراب. أعرف يا صغيريّ أنكما لا تريدان إيذائي وأن كل ما تريدانه هو اللهو أو الطعام ولكن صدقاني دقات قلبي ليست بيدي. يزداد الأمر سوءا حين يبدآن في النباح والتقافز بعضهما فوق البعض مع الاقتراب. أبدأ في الصياح على حارس وأحاول الاقتراب من السيارة مع الاستمرار في «الهش»، حتى يأس مني الصغيران وابتعدا. أصل إلى السيارة وأحتمي بداخلها سريعا. أفتح كيس طعام القطط وأنادي على الجروين من خلف الزجاج، أجتهد حتى يسمعني أحدهما دون النزول من السيارة ويأتي مسرعا، ألقي له بعض الطعام من الزجاج وأغادر.

أصل إلى عملي في الجانب الآخر من المدينة وأنفاسي لم تنتظم بعد رغم ممارسة تمارين التنفس. أكتشف أن «فوبيتي القديمة» لم تنته رغم يقيني ببراءة الصغيرين وإخلاصهما عكس القطط التي أذوب في عشقها، ولكن ماذا أفعل يا صغاري في دقات قلبي وأنفاسي التي لا تفهم هذا الأمر؟ أعرف أن الرحمة لا تتجزأ وأنها تشمل جميع المخلوقات، وأن «في كلِّ كبدٍ رطبةٍ أجرا» كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأتمنى أن أطبق هذا الأمر وأسعى إليه. فقط أخشى أن ينتظرني الصغيران عند عودتي من العمل لتقديم الشكر أو طلب المزيد من الطعام!