محمود بكري.. محطات من شريط الذكريات!

أحمد رفعت

أحمد رفعت

كاتب صحفي

تقرر أن تتحول صحيفة «الأحرار» -أول صحيفة معارضة فى مصر بعد عودة الأحزاب منتصف السبعينات- من أسبوعية إلى يومية.. وتقرّر أن يترأس تحريرها الكاتب الكبير مصطفى بكرى.. وتقرّر كذلك الاعتماد على فريق من الشباب حديثى التخرّج المنطلقين بقوة الدفع الذاتى مع الرغبة فى إثبات الوجود.. وتقرّر أن تكون الملفات الأولى لهذا الإصدار اليومى من نصيب كاتب هذه السطور.. عدة صفحات يومية -حتة واحدة- عن الإرهاب، خصوصاً فى صعيد مصر، وتحديداً فى أسيوط! كانت التعليمات محدّدة وواضحة: كل شىء عن الظاهرة! فكان كل شىء فعلاً عنها!

ولهذا تفاصيله فى مناسبة أخرى، لكن معالجة الظاهرة والأزمة والأحداث الملتهبة، وفى عدة صفحات كاملة بلغت فى ما نتذكر خمس أو ست صفحات متتالية، وهو ما يتطلب تقديم مثله مرة ونصف على الأقل، ليتم الانتقاء منه وتصفيته واختصاره ثم وضع مقدمة ثابتة بخلاف مقدّمة كل حلقة واختيار الصور والعناوين وإشارات الصفحة الأولى.. وهكذا أحيل كل ذلك فجأة إلى غرفة عمليات مكونة من شخص واحد.. إلى «محمود بكرى»!كان محمود بكرى قد شق طريقه مبكراً، وصار أحد نجوم الصحافة المصرية وقتها، وكأحد الأسماء البارزة بجريدة الشعب، وفى مكتب مجلة «المجالس» الكويتية بالقاهرة.. ولم يعمل مصطفى بكرى -مع حفظ الألقاب- فى أى تجربة صحفية بغير الاستعانة بشقيقه محمود.. حتى كان فعلاً رفيق دربه وشريك مشواره، وليس فقط شقيقه بالنسب والدم!تحولت الموضوعات إلى عناوين وأحدثت ضجة كبرى، إذ تناولت الوضع الأمنى وقتها والأحزاب والنقابات بالصعيد والحالة الاجتماعية والتنمية والأقباط والكنائس والأوقاف، وطبعاً الجماعات الإرهابية!

وكان الفضل بعد الله للراحل الكريم الذى فقدناه.. محمود بكرى!صياغة كل هذه السنوات فى مقال أو أكثر مهمة مستحيلة.. ولا حل فى ذلك.تركت جريدة «الأسبوع» عام ٢٠٠٢ لمهمة فى جريدة أخرى، ثم عُدت عام ٢٠٠٥ بعد اتصال هاتفى منه يدعوننى إلى العودة والمشاركة فى احتفال ذكرى تأسيس الجريدة. وقد كان.. حتى تركتها مرة أخرى وأخيرة متولياً مهمة ثالثة فى صحيفة ثالثة!

لكن.. طوال هذه الفترة.. معى ومع من استمروا فى الجريدة بطبيعة الحال.. كانت العلاقة بيننا جميعاً مثالية فى الترابط الاجتماعى قبل المهنى.. أو الاجتماعى مع المهنى.. ولذلك وبغير مراجعة أحد أو العودة لأى زميل أو سؤال من تعرضوا لأزمات، وبغير أى تردد أقول أنه ولا أى زميل منهم تعرّض لأى ظرف.. مبهج أو حزين إلا وكانت الجريدة إلى جواره.. كجزء من «سيستم» تم وضعه، وكجزء من تقاليد ترسّخت يوماً بعد آخر.. وعندما تكون المناسبة خارج القاهرة يتم استئجار سيارات الأجرة الكبيرة لتكون الزيارة الجماعة للزملاء مؤثرة وناجزة فى دعم الزميل صاحب المناسبة.. حزناً أو فرحاً!وفى الشأن العام خصوصاً ما يخص قضية فلسطين أو العراق أو سوريا أو كل ما يخص العروبة والوحدة العربية والانتماء القومى.. وكلها مواقف مستندة إلى منهج ثابت لم يتغير ولم يتبدل حتى يمكنك معرفة رأى محمود بكرى فى أى قضية دون أن تسأله أو تراقبه أو تنتظر مقالاً أو تصريحاً له!!

قبل عدة سنوات.. ترشّحت لعضوية مجلس نقابة الصحفيين.. لا أنتمى إلى صحيفة قومية ولا يدعمنى تيار سياسى، وعلى خلاف دائم ومزمن مع الإخوان، وكان قراراً صعباً.. وبخلاف الدعم الذى وجدته من الراحل الكريم إلا أن يوم الفرز لا يُنسى.. أظهرت المؤشرات الأولية تفوقنا فى الأصوات، حتى إن الراحل الكريم ياسر رزق، وكان موجوداً، قدّم لى التهنئة وأبلغنى أن الخبر فى الطبعة الأولى بالفعل.. كان محمود بكرى، رحمه الله، معى لحظة بلحظة يمر على مراكز الفرز يجمع رقماً برقم.. حتى بدأت فى الدقائق الأخيرة تتبدّل النتيجة!!

ولمحت القلق على ملامحه كآخرين كانوا معى.. حتى ليحزن المرء على حزن محبيه.. حتى انتهت النتيجة إلى خسارة المقعد بفارق بسيط.. فهنّأنى على حب زملائى، وقال إنها تعنى نجاحى وعلينا أن نفتخر بذلك!!

كان ينتظر النتيجة ليكون أول من يهنئ من يعتبره أخاً له، ثم يعلنها ويؤكد باعتبارى ابنا من أبناء «الأسبوع» أيضاً حتى لو كان ترشّحى باسم «الأحرار»!! كان لمشاغل أستاذنا مصطفى بكرى يتولى هو كل الواجبات.. وقام بالدور وعلى أروع ما يكون!انتهت المساحة المخصصة للمقال.. لكن ذكرى محمود بكرى وذكرياته ستظل ما شاء الله لها أن تكون.. رحم الله الرجل!