أحمد البهنساوي يكتب: «وبلغ أربعين سنة»
أحمد البهنساوي يكتب: «وبلغ أربعين سنة»
- أحمد البهنساوي
- أحمد البهنساوى
- وبلغ أربعين سنة
- أربعين سنة
- سن الأربعين
- أحمد البهنساوي
- أحمد البهنساوى
- وبلغ أربعين سنة
- أربعين سنة
- سن الأربعين
يخفق القلب، وترتعد الفرائص، وتسعد النفس فرحًا بتمام الرشد والأشد، بينما يتساءل العقل كيف مرت أربعة عقود من العمر مسرعة، كرشاقة غزال أفلت من بندقية صياده، وهل بقيت في جعبة العمر سنون كالتي مضت؟ الآن وقد بلغت الأربعين، تضعني مشاعر متباينة في مفترق طرق، خوفًا وطمعًا، إشفاقًا على ما فات وتفاؤلًا بما هو آت، وكأني زرعت السنين دأبًا، وتركت حصاد عمري في سنبله انتظارًا لعام الإغاثة أو اليوم الموعود.
أربعيني يتأرجح بين قلب طفل وعقل مسن، يتذكر في عقده الأول بداية خطواته حبوًا في إحدى قرى الصعيد، ذلك الطفل كان شارعه بمثابة الكون الفسيح مع إخوته وأقرانه، يمتطي كتف أمه ويمسك بيد جده وجلباب جدته، بينما ينتظر والده العائد من الغربة بما لذ وطاب من هدايا، وأحمد الله على ما أنعم به علي وعلى والدي.
يشب الطفل شيئا فشيئا في عقده الثاني الذي شهد مرحلة المراهقة، وصراع الطموح في الثانوية العامة، الذي بات تقليديا «عايز ادخل كلية الطب»، وهو الطموح الذي ترك جرحًا غائرًا حينها، حيث لم يسعفني تنسيق القبول بنحو 1%، فالتحقت بكلية الإعلام حبًا في جامعة القاهرة ثم المجال، وفتحت نافذة جديدة لهذا الصعيدي على عالم العاصمة.. وأحمد الله وأسأله أن أعمل صالحًا يرضاه.
يدخل الشاب في مقتبل عمره العقد الثالث، مشمرًا عن ساعديه في ميدان العمل الصحفي والإعلامي بعد تخرجه في إعلام القاهرة بتقدير عام «جيد جدا»، ومتنقلًا بين مختلف الصحف والقنوات والمواقع الإليكترونية، خاصة وحزبية وقومية، مصرية وعربية ودولية، وتزدان مسيرتي بطائفة من أنبل الشخصيات، محبتهم في القلب باقية مهما طال الزمن وفرقتنا الأماكن، بينما خاب ظني في آخرين حسبتهم ماء لظمأ السند فكانوا سرابًا، وبعيدا عن ذلك فقد صهرتني المهنة والأحداث، كما اتسعت نافذة العاصمة لتشمل العالم كله، حيث تعرفت على ثقافات شتى عبر السفر لعدد من البلدان من الصين شرقا حتى أمريكا غربا، وانتهت هذه المرحلة بالزواج، وأحمد الله على هذا الرزق.
ثم يصل قطار العمر إلى محطة العقد الرابع، حيث أقمر ليل رأسي بشعيرات بيضاء، كمصابيح تبدد ظلام الرأس شكلًا، وتنير درب الفكر مضمونا، وقد حصلت على لقب «أب» بعدما رزقني الله بابنتين، وما زلت أكافح حتى أكون لائقًا بقدر مسؤولية الراعي، مراقبًا لنزق النفس، ولإحساس بغروب قد يبدو حزينًا، لكنه يستبشر شروقا سعيدًا، تيمنًا بأول أيام التشريق، وأحمد الله على ما كان وما سيكون وأسأله أن يصلح لي في ذريتي.
وأخيرًا فإن عمر النبوة الذي ذكر وحيدًا في القرآن الكريم، وقد تجاوزته ميلاديًا، يستلزم 5 خصال، «الشكر، والعمل، والدعاء، والتوبة، وإعادة الإقرار بالإسلام» مصداقا لقوله تعالى في آية لخصت مشوار العمر ﴿ وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا ۖ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا ۖ وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا ۚ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي ۖ إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾[ الأحقاف: 15]