«الخازندارة».. راعية دور العلم والأيتام والمساجد

كتب: أحمد الأمير

«الخازندارة».. راعية دور العلم والأيتام والمساجد

«الخازندارة».. راعية دور العلم والأيتام والمساجد

بعد انحسار النيل عن جزيرة الفيل، المعروفة حالياً بحى شبرا، وتحولها إلى منطقة رملية، عهدَ الخديو إسماعيل لعلى باشا مبارك بإعداد مشروع قانون يقضى بتنظيم إدارة مدينة القاهرة، ووضع تقسيم إدارى جديد لها عام 1868م، وأسفر التقسيم عن 4 ضواحٍ هى: مصر القديمة، بولاق، شبرا، الوايلى.

مرت السنوات على المنطقة وهى تزداد جمالاً يوماً بعد يوم، ووفق حسن عبدالوهاب فى مقاله بمجلة العمارة تحت عنوان «العمارة فى عصر محمد على باشا»، كانت شبرا فى عهد محمد على باشا من أروع متنزهات ضواحى القاهرة واستورد لها محمد على مختلف الزهور من أنحاء العالم، وأوجد بها الأشجار المثمرة وسائر النباتات وبنى فيها قصراً له عام 1808م، وخصصه للاستقبالات الرسمية، كما أنشأ بها مدرسة للزراعة وقصر النزهة الذى كان يقصده الخديو إسماعيل للراحة والتنزه، ومنذ ذلك الحين أصبحت شبرا أهم أحياء القاهرة، وتطور عمرانها سريعاً حتى أضحت من أكبر الأحياء السكنية.

وسط هذه الواحة الغناء، وفى العام 1916 تمنت السيدة «خديجة»، أو خديجة هانم، كريمة المرحوم محمد راغب أغا، الشهير بالخازندار، أن تقيم مسجداً باسمها وتضم إليه من منشآت عامة، عبارة عن مدرسة ومستشفى كانت قد أقامتهما فى منطقة شبرا، لكن شاء القدر أن تتوفى أثناء القيام بعمارته فى سنة 1918 لتكمل وزارة الأوقاف ما كنت تنوى فعله هذه السيدة التى عُرفت بفعل الخير والإغداق عليه من مالها الخاص، وتم بناء المسجد وملحقاته فى العام 1926، ليظل إلى اليوم بعد مرور 97 عاماً يحمل اسم السيدة خديجة هانم الخازندارة، ويخلدها إلى الأبد.

وبحسب الباحثة فى التاريخ والحضارة الدكتورة انتصار غريب، فإن اهتمام خديحة هانم بإنشاء هذا المسجد العريق فى حى شبرا جاء ضمن حرصها على الارتقاء بالتعليم ودعمها لجامعة الأزهر، وتقول «غريب» لـ«الوطن»: فى الوقت الذى شهد الأزهر أشكالاً للتعليم الحديث وظهور الحاجة إلى أبنية ومنشآت تعليمية برز دور خديجة هانم المعروفة بـ«الخازندارة»، الذى ارتبط بتاريخ جامعة الأزهر، فقد أسست المسجد الشهير فى حى شبرا وبه مدرسة الخازندارة التى أنشأتها سنة 1912م لتدريس الفقه والقرآن الكريم.

وبظهور نظام التعليم العالى والكليات بالأزهر الشريف وقع الاختيار على هذه المؤسسة التعليمية الكبيرة لتكون مقراً لواحدة من الكليات الثلاث، وفى مقدمتها كلية أصول الدين لدراسة التوحيد والمنطق والفلسفة والتفسير والحديث والتاريخ، وكلية اللغة العربية لدراسة قواعد اللغة وآدابها، وكلية الشريعة لدراسة الشريعة والأصول والفقه المقارن، وجاءت كلية أصول الدين من نصيب مدرسة الخازندارة، التى تم افتتاحها سنة 1931م واختيار الشيخ عبدالمجيد اللبان شيخاً لها.

وكانت منشأة خديجة هانم تضم 4 وحدات معمارية وهى المسجد والمدرسة والسبيل والبيمارستان التى كانت وفقاً لنص الحجة ملحقة بالجانب الجنوبى من المجموعة وحل محلها مستشفى حديث منفصل عن باقى وحدات المجموعة.

وأجمع كثير من العلماء الذين تخرجوا فى كلية أصول الدين بالخازندارة على أن السيدة خديجة واحدة من النساء الصالحات وأقرضت الله قرضاً حسناً وادخرت عنده ما ينضر وجهها وشهدوا لدورها فى التاريخ الإسلامى ولم تبخل بمالها ولا جهدها فى سبيل العلم والمعرفة وقدمت ما يعجز عنه الكثيرون إذ وصفوا «الخازندارة» بأنها امرأة بألف رجل وأكدوا أنهم مدينون مادياً وأدبياً لهذه المرأة المحسنة التى وقفت مالها لله وأنشأت منه مؤسسات يتفجر الخير منها عشرات السنين وإلى وقت بعيد.


مواضيع متعلقة