«يوليو» بين احتفاء وانقسام

حلت اليوم الذكرى الـ 71 لاندلاع "ثورة يوليو"، حيث احتفت مصر الرسمية بالذكرى كما يحدث كل عام، وحصل المواطنون على إجازة، لكن هؤلاء المواطنين أنفسهم منقسمون إزاءها، ربما أكثر من أي وقت مضى.

سيمكن لهؤلاء الذين يناصبون "يوليو" العداء أن يجادلوا بأنها أجهضت "التطور الديمقراطي" في البلاد، لأنها ألغت الأحزاب، وأممت المصالح الاقتصادية، وصادرت الصحافة، وأنشأت نظام الحزب الواحد، ونَصَبّت زعيماً، وكرسته في موضع "القداسة"، وحولت المجتمع إلى نسق واحد لا يحترم التعدد والتنوع، وجعلته يصطف مهللاً وهاتفاً خلف قيادة لا تعرف المساءلة أو المحاسبة؛ وهو الأمر الذي قادنا جميعاً إلى هزيمة مُذلة، سلبتنا جزءاً عزيزاً من ترابنا الوطني، وأدخلتنا في مأزق ما زلنا ندفع ثمن محاولات الخروج منه حتى اليوم.

وفي المقابل، سيمكن لهؤلاء الذين يقدرون "يوليو" ويدافعون عنها، أن يجادلوا بأنها حررت مصر من الاستعمار، وصنعت لها مكانة مُقدرة بين الأمم، وبنت السد العالي، وأممت قناة السويس، وألهمت دولاً وحركات ثورية، وساندتها في طريقها للحصول على استقلالها الوطني، وفي غضون ذلك لم تتخل عن برامجها الاقتصادية والاجتماعية، التي نجحت في منح البلاد فرصة لتحقيق معدلات نمو قياسية.

لكل طرف من الطرفين الحق في أن يدافع عن وجهة نظره بكل تأكيد، بل يجب الاعتراف أيضاً أن لكلا الفريقين حظاً من سلامة المقصد ووجاهة الحجج، لكن كل هذا التشاحن والتدافع والجدل، الذي نراه في أقنية الإعلام، لا يمكن أن يسلب "يوليو" كونها "ثورة" مكتملة الأركان، ووطنية الوجه والتوجه.

"يوليو" ما زالت جديرة بالاحترام، لأنها في طريقها للتعبير عن أهدافها أنتجت جيلاً من أبناء الفقراء، الذين لم يحملوا وصمة الفقر أبداً، واستطاعوا أن يحققوا صعودهم الاجتماعي، وأن يجدوا مكاناً تحت الشمس، في بلد امتلك مشروعاً حاول من خلاله أن يعبر عن نفسه، وأن يأخذ مكانته المستحقة.

لا يمكن نسيان ما فعلته "يوليو" في مجالات الاستقلال الوطني، والعدالة الاجتماعية، والتصنيع، والمكانة الإقليمية، والفنون والآداب، كما لا يمكن إغفال الهزائم والإخفاقات والتجاوزات الكبيرة التي شهدتها مصر في عهد مفجرها.إلى جانب كل انتصار تحقق وإنجاز تجسد، كان هناك تراجع أو إخفاق في مجال ما، خصوصاً إذا ما تحدثنا عن الجوانب الحقوقية والحريات، ومع ذلك فقد ظلت "يوليو" قادرة على الدفاع عن نفسها إلى اللحظة التي غيب الموت فيها زعيمها في العام 1970.بدأ السادات عصره بالقول إنه "سيسير على خطا عبد الناصر"، لكنه فعل العكس تماماً، حتى خرجت النكتة الشهيرة التي تقول إن "السادات سار فعلاً على خطا عبد الناصر.. لكن بممحاة".تم الانقضاض على سياسات ناصر الاجتماعية، وعوضاً عن سياسة "عدم الانحياز" أو التحالف مع دول المعسكر الشرقي، أعلن السادات أن "99% من أوراق اللعب بيد أمريكا"، لكنه كان قد استطاع أن يزيل آثار العدوان، وأن يجد طريقاً لتحرير سيناء.

لكن السادات كان قد فتح الطريق أمام جماعات "الإسلام السياسي" اعتقاداً منه بأنها يمكن أن تجنبه التصادم مع أنصار عبد الناصر وقوى اليسار الأخرى.

وفي هذا السياق، أطلق السادات على نفسه لقب "الرئيس المؤمن"، وعلى مصر "دولة العلم والإيمان"، ومرر تعديلاً دستورياً يجعل "مبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيس للتشريع"، قبل أن تستفحل الفتنة الطائفية والتمييز في عهده، ويغتاله الإسلاميون الراديكاليون يوم احتفاله بنصر أكتوبر في العام 1981.

ما فعله مبارك، الذي حكم البلاد ثلاثة عقود، لم يكن سوى سير على ذات الطريق لكن بدأب وإخلاص أكبر.

لقد صفى مبارك بإصرار بالغ معظم منجزات "ثورة يوليو"، فقد فكك البنية الصناعية التي بناها عبد الناصر، كما أضر بالتعليم المجاني بشكل منهجي.اتسعت الفجوة بين الطبقات في عصر مبارك، وانسحقت الطبقة الوسطى القوية التي بُنيت بدأب على مدى عقدي الخمسينيات والستينيات من القرن الفائت، وسادت درجة من الظلامية، وهيمنت أنماط الفن والإعلام الرديئة، وانسحبت مصر من الإقليم والقارة الأفريقية، وباتت مكانتها الدولية في حال سيئة.

لقد حرصت "يوليو" على أن تجعل من التعليم وسيلة للصعود الاجتماعي، وعززت فكرة المساواة وعدم التمييز الطبقي أو الديني أو الفئوي بين المواطنين، وهذه الأمور ما زالت ملهمة للمصريين، وإن كانت تعرضت للتجريف على مدى العقود الخمسة الفائتة.

لا يمكن النظر إلى "يوليو" من زاوية واحدة باعتبارها نوراً او ناراً، لكنها كانت مزيجاً من هذا وذاك، وقد أنتجت عصراً من الإنجازات والإخفاقات التي سيظل الخلاف قائماً بشأنها عقوداً، وهو أمر يجسد حقيقة "يوليو" ويقطع بأهميتها في واقعنا الوطني.

لم تكن مطالب انتفاضة "يناير" بعيدة عن أهداف "يوليو" الرئيسة، خصوصاً فيما يتصل بالكفاية والحرية والعدالة الاجتماعية؛ وهو أمر يشير إلى إخفاق "يوليو" في تحقيق أهدافها بعد مرور ستة عقود على اندلاعها.ما زال المصريون حريصين على التوجه العروبي والانتماء الأفريقي والدور الريادي والاستقلال الوطني والقدرة الاقتصادية، وهم أيضاً تواقون إلى الكرامة، وهي مطالب بقيت محل توافق بين القطاعات الغالبة من الجمهور، كما ظلت النزعة إلى تحقيق العدالة الاجتماعية موجودة، والمطالبة بالعودة إلى "التنوير" لا تتوقف.