حصاد سابق وأمل متجدد

كان من نتائج ثورة يناير السلبية حالة سيولة غير مسبوقة على الحدود المصرية أدت إلى تسلل الإرهاب والأسلحة بطريقة لم تعهدها مصر من قبل، وخاصة عبر الحدود الشرقية مع غزة، وهذا أدى إلى تكوين مجموعات إرهابية عتيدة فى سيناء، معها أسلحة ثقيلة أو مضادة للطائرات أو ألغام للأفراد والدبابات، فضلاً عن حفر عشرات الأنفاق الخطيرة التى تسلل منها الإرهابيون، فضلاً عن السيارات والأسلحة الثقيلة.

وحدث ذلك بطريقة أقل عبر الحدود الليبية، حيث تدفقت معظم أسلحة الجيش الليبى إلى مصر، مما أحدث اختراقات أمنية غير مسبوقة للأمن القومى المصرى، وحدث ذلك بطريقة أقل منها عبر الحدود الجنوبية مع السودان.

ولعل أفضل ما قدّمه نظام الرئيس السيسى لمصر عبر السنوات الأولى من حكمه هو ضبط هذه الحدود البرية الثلاثة بطريقة محكمة وحديثة وغير مسبوقة، فضلاً عن هزيمة الإرهاب والإرهابيين عبر سنوات عصيبة قدمت فيها مصر أغلى وأنبل الشهداء والجرحى. والآن تحولت سيناء من مزرعة للإرهاب إلى بؤرة جاذبة للاستثمار والبناء والتعمير، وخاصة بعد بناء ميناء بحرى كبير فى العريش على غرار ميناء الإسكندرية ودمياط.

أما أهم الإنجازات فى عهد الرئيس السيسى فهو دحر الإرهاب الذى وصل إلى أعلى درجاته فى تاريخ مصر الحديث وكبّد مصر خسائر بشرية واقتصادية وسياسية كبيرة، حيث تطور الإرهاب من مجرد استخدام البندقية الآلية إلى استخدام مضادات الدروع والألغام الأرضية وتفجير الطائرات واستخدام الهاونات واستحداث تكتيكات جديدة غير مسبوقة.

ولن يدرك أحد حجم الإنجاز الكبير الذى حققته الدولة المصرية فى دحر الإرهاب والقضاء عليه نهائياً إلا إذا راجع عدد العمليات الإرهابية الخطيرة فى بداية عهده، فقد تمت 222 عملية عام 2014، ووصلت معدلات العمليات الإرهابية إلى أوجها فى عام 2015، حيث بلغت 564 عملية، ثم بدأ الانخفاض التدريجى فى وتيرتها بعد تكاتف الجيش والشرطة وأجهزتهما معاً، فوصل عددها عام 2016 إلى 199 عملية، ثم انخفض إلى 50 عملية عام 2017، ثم 8 عمليات عام 2018، ثم عمليتين فقط عام 2019 حتى أضحت الهزيمة الكاملة للجماعات الإرهابية علَماً على أهم إنجازات الرئيس السيسى والدولة المصرية. ولم يأتِ هذا النجاح من فراغ، بل كلف الدولة المصرية آلاف الشهداء والجرحى والمنشآت.

أما أفضل ما تم إنسانياً فى عهد «السيسى» فهو رعاية الشهداء وأسرهم من ضحايا الإرهاب، وفاقت هذه العناية رعاية الدولة السابقة لشهدائها فى الحروب العربية الإسرائيلية، فقد تطورت هذه الرعاية لتشمل كل شىء بما فى ذلك التكريم السنوى من كل أجهزة ومؤسسات الدولة، بداية بالرئيس وانتهاء بأصغر مسئول، فضلاً عن إفطار أولاد الشهداء مع الرئيس فى يوم عيد الفطر كل عام فى سابقة فريدة. وانعكس دحر الإرهاب فى مصر على هدوء واستقرار الوطن العربى كله، وهزيمة الميليشيات المسلحة عسكرياً وسياسياً ومعنوياً فى كل الأقطار المحيطة.

أما الإنجاز الأعظم والأبرز فهو إعادة هيبة الدولة وهيبة مؤسساتها واستقرارها وثباتها، فضلاً عن تطورها، فالهزات التى تعرضت لها الدولة المصرية ومؤسساتها بعد ثورة يناير أضرت بقوة الدولة المصرية وهيبتها حتى لم يبقَ من مؤسساتها متماسكاً وقوياً سوى الجيش والمخابرات، أما باقى المؤسسات فأصابها إما الانهيار أو العطب أو أصبحت كالبيت الوقف، فضلاً عن وقف التطور والنماء.

وأفضل ما فعله السيسى هو إعادة هيبة الدولة ومؤسساتها ومنحها الثقة فى نفسها ثم دفعها للتطور، وأبرز مثال على ذلك عودة الشرطة المصرية أقوى مما كانت، وكذلك مرفق السكك الحديدية، وغيرهما.

ومن أبرز الإنجازات الإنسانية فى عهد «السيسى» رعاية ذوى الهمم ومتحدى الإعاقة ومنحهم لأول مرة فى تاريخ مصر معاشاً يغنيهم ويدفع أسرهم ومن حولهم للعناية بهم ورعايتهم، ولذلك سارعت أكبر مؤسسات الدولة تحذو حذو الرئيس فى احتضانه لهذه الشريحة، فقلده فى ذلك الجيش والشرطة والمحافظات ووزارة التضامن والنوادى ومؤسسات المجتمع المدنى، وأصبحت هذه الشريحة لأول مرة فى تاريخ مصر ما يمكن أن نسميه «الفئة الأوْلى بالرعاية».

أما الإنجاز الحضارى الأبرز فهو إعادة الاهتمام بالقرى لأول مرة بعد اهتمام عبدالناصر بالقرى، والذى أُجهض مشروعه بعد هزيمة يونيو عام 1967، حيث يُعد مشروع «حياة كريمة» فى القرى أهم إنجاز حضارى للقرية المصرية التى عانت من الإهمال سنوات طويلة، وقد تكلف هذا المشروع قرابة 700 مليار جنيه، وهو مبلغ هائل جداً، وقد أدرك هذا المشروع القرية المصرية لينقذها من الانهيار الكامل وأعاد إليها بعض الوجه الحضارى الذى يليق بها، وأعاد البسمة مرة أخرى لأهل القرى الذين وجدوا مجمعات إلكترونية كاملة للخدمات تغنيهم عن السفر والبهدلة لاستخراج شهادة ميلاد أو بطاقة شخصية أو بطاقة تموين، فضلاً عن تجديد المدارس المتهالكة التى عفى عليها الزمن وبناء آلاف المدارس الجديدة والوحدات الصحية.

القرية المصرية تحتاج لاستكمال هذا المشروع الضخم، فما زال أمامها الكثير للتطوير والبناء.

أما الإنجاز الإنسانى الأبرز كذلك فهو توحيد جهود المؤسسات الاجتماعية الخيرية وتكثيف جهودها لإغاثة الإنسان المصرى الذى دهسته الأسعار والبطالة تحت عجلاتها.

والحقيقة أن هناك إنجازات كثيرة لا يتسع المقال لها، وكل هذه الإنجازات الحضارية والإنسانية بالذات تحتاج إلى استكمال، فهى فى مقدماتها.

وتحتاج مصر من الرئيس السيسى فى السنوات القادمة للجم الأسعار التى ارتفعت بشكل جنونى أحزن بيوت المصريين، وضرب جيوب الآباء، وساهم مع البطالة فى زيادة حالات الطلاق الذى وصل إلى أعلى معدلاته فى تاريخ مصر.

كما أن الشعب المصرى ينتظر من الرئيس السيسى فى المرحلة القادمة حلاً جذرياً لأزمة البطالة التى ضربت معظم قطاعات الشباب الذى لم يجد سوى «التوك توك» حلاً لأزمته، ولكن التوك توك أدخل مصر فى أزمات أخرى أكبر قد نفيق على خطرها فى المستقبل.

ويرجو الشعب من الرئيس إعادة الهيبة للصناعة المصرية بقطاعاتها المتعددة، فقد انحسر دور الصناعة المصرية انحساراً خطيراً لا يليق بمكانة مصر، وكذلك إعطاء الحريات السياسية دَفعة جديدة وقُبلة حياة، وإعادة النظر فى طول فترات الحبس الاحتياطى، مما يُعد حكماً مسبقاً على إنسان لم تُدنه المحكمة بعد، وكذلك الاستمرار فى الإفراج عن كل من لم تتلوث يده بالدماء ولم يُدن بالإرهاب، فهناك الآلاف ينتظرون هذا القرار، ومنهم أسرهم وأقاربهم.

ما ينتظره الشعب المصرى من الرئيس كثير، وما حققه الرئيس كثير أيضاً.