«فلسفة الطاقة» في مصر!
يحق السؤال ونحن نحتفل بقفزات هائلة فى معدل إتمام وإنجاز تشييد محطة الضبعة النووية بمفاعلاتها الأربعة لمعدل لم نتوقعه تجاوز المخطط المحدد ونقول: ماذا تفعل القيادة المصرية فى ملف الطاقة منذ 2014؟! هل هناك رؤية استراتيجية محددة وثابتة أم أن الأمور تجرى عشوائياً كما كانت؟! للحقيقة يمكن القول وبصدق لا علاقة له بأزمة انقطاع التيار الكهربائى اليومى فى مصر الذى هو مؤقت وهدفه ترشيد مدخلات يتم استيرادها من الخارج ويوماً ما نراه قريباً سيتوقف ذلك وتنتهى هذه الحالة.. إنما كلامنا يتحدث عن التخطيط الشامل الممتد لسنوات طويلة.
خمس نقاط مستهدفة من التخطيط للطاقة فى مصر هى بغير ترتيب توفير احتياجات المصريين اليومية من الطاقة.. التوسع فى الصناعات البتروكيماوية والتوسع فى عمليات الاستكشاف الجديدة وتوصيل الغاز الطبيعى للمنازل والمصانع وأخيراً تحويل مصر إلى مركز إقليمى للطاقة.
خمس نقاط ربما تسير بخطى ثابتة.. فمصر - ولله الحمد - لا ولم تشهد زحاماً ولا طوابير أمام محطات الوقود ولا على أسطوانات الغاز ولا انقطاعاً فى الغاز بالمنازل.. كما أن الصناعات البتروكيماوية شهدت تطوراً مهماً السنوات الأخيرة ربما شهدناها مبكراً فى أغسطس 2016 مع شركة أثيديكو الإسكندرية للبتروكيماويات ومصنعها الكبير بمساحته الهائلة وإنتاجه الضخم وعدد عماله الهائل.. وكذلك حدث مع مصانع شركة النصر بكافة أفرعها بالفيوم وأبورواش والعين السخنة وكذلك مجمع مسطرد للبتروكيماويات وكذلك تطوير كيما أسوان وأخيراً أنوبك أسيوط!
أما الاكتشافات الجديدة فربما تعامل مصر مع عدد من أكبر شركات العالم بمختلف جنسياتها، ربما أشهرها «بى بى» البريطانية وروسنفت الروسية وإينى الإيطالية وشل الهولندية وغيرها وغيرها.. أما توصيل الغاز للمنازل فهو يتم بوتيرة مدهشة تصل إلى أكثر من مائة ألف منزل شهرياً! والهدف أن يصل الغاز إلى كل منزل فى مصر وينتهى الاعتماد تماماً على غاز البوتاجاز!
وأخيراً تحويل مصر إلى مركز إقليمى للطاقة فيشهد عليه منتدى الطاقة لدول شرق المتوسط الذى امتد لتنضم إليه دول ليست من شرق المتوسط وبعضها ليس من دول البحر المتوسط أصلاً!
النقاط الخمس السابقة رئيسية واستراتيجية تحتاج إلى مناقشة تفصيلية سنتناولها لاحقاً لكن يحق لنا تناول ما أنجزناه حتى اليوم وأن يعرف كل المصريين ما يجرى فى بلادهم وأن يدركوا أن زمن العشوائية -ورغم كل الصعاب والمعاناة والتحديات مع الجشع والأسعار والفواتير وغيرها- قد ولّى وانتهى!
يأتى ذلك كله عطفاً على الملفات الأربعة التى حددناها سابقاً وقد شكلت آمال وأحلام المصريين السنوات الأربعين الماضية وتحولت إلى مناطق محرمة لا يجوز الاقتراب منها وشعر المصريون أن هناك ما يشبه «فيتو» دولى أو إقليمى ضد الاقتراب منها من أى حاكم لمصر وقلنا إنها بغير ترتيب أهمية تنمية سيناء.. تحديث الجيش المصرى وتسليحه.. الحرب على الفساد الذى تمتد بعض خيوطه بالداخل مع الخارج مما يجعل الملف صعباً وخطراً، وقلنا إن رابع الملفات هو «النووى المصرى» الحلم الكبير المعطل منذ أواخر السبعينيات بعد وقف الأنشطة النووية فى مفاعل إنشاص وتحويله إلى مفاعل للأبحاث النووية لمجالات الصحة وغيرها.
اليوم يسترد المصريون حلمهم الكبير.. ويوماً بعد يوم تكبر أمامهم محطة الضبعة النووية.. التى يعلو بناؤها هناك على شاطئ البحر المتوسط فى بناء هندسى علمى عظيم.. يولّد الطاقة التى تصل إلى 4.8 جيجا كفيلة بإحداث إضافة كبيرة جداً للطاقة فى مصر، وهى طاقة نظيفة ومتجددة قادرة على الاستمرار فى توليد الكهرباء لعشرات السنين القادمة فى محطة من الجيل الرابع مؤمّنة للغاية تتحمل الزلازل والصدمات ومزودة بأجهزة إنذار شديدة الحساسية تختلف تماماً عن أجيال المفاعلات السابقة!
وهى تسمح لمصر -ثانياً- باكتساب خبرات كبيرة فى المجال النووى ليس فقط من خلال المدرسة الفنية التى أسست هناك فحسب بل سنستعيد نشاط أقسام الهندسة النووية التى كان لدينا منها قسم بجامعة الإسكندرية فضلاً عن تدريب خبرائنا ومهندسينا كما جرى قبل فترة من إرسال أكبر عدد من دولة واحدة كان 13 خبيراً من بين ما يزيد قليلاً على 40 عالماً من كل أنحاء العالم للتدريب فى روسيا فكان لمصر نصيب الأسد وحدها!
اليوم -أو فى هذه الساعات- يبلغ النشاط بالمحطة النووية بالضبعة مداه.. خطوة جديدة نحو اكتمال هذا الحلم العظيم.. اليوم خطوة إلى الأمام نحو العودة إلى الأحلام النووية.. والذى تأخر طويلاً لكننا نستعيد بالخطوات السريعة ما فاتنا كله.. وسنستعيد ما فاتنا كله!