شكرا على الصبر
أكثر من جملة مفيدة، قرأتها فى المؤتمر الصحفى الذى عُقد أمس للإعلان عن أكبر صفقة اقتصادية فى تاريخ مصر، بحسبة المُدخلات والنتائج، لا شىء يقارن «رأس الحكمة»، ليس بلغة الاقتصاد التى تحتاج لمتخصصين يشرحونها، لكن بلغة المواطن المصرى العادى، الذى يجيد ترجمة الحروف والكلمات والسكتات والإشارات، والذى يدرك بيقينه الفطرى العادى أن ثمة يداً تحفظ هذا البلد آمناً، تقيه الشرور، وتبقيه أبد الدهر فى يد «المُعين».
أولى هذه الجمل هى «عقد مؤتمر صحفى» من الأساس، صحيح أن أسئلة كثيرة كان لا بد أن ترد إجاباتها فى سياق المؤتمر، لكن عقد المؤتمر وإعلان التفاصيل وتوقيع العقود بكل هذه العلانية والشفافية لهو أكبر رد وأهم دليل يفسد على بعضهم ادعاءات جمّة، يطلقونها فى الهواء، تصيب هوًى لدى البعض، وتُحدث شوشرة لدى الآخر، لكن ولأنه حديث معلن على الشاشات للجميع، فمن أراد «الادعاء» فنقول له: إجابة خاطئة.. حاول مرة أخرى.
كلمتان أكد عليهما رئيس الوزراء غير مرة، أولهما «بالقانون المصرى»، وثانيهما «شراكة وليس بيعاً»، قد لا يفهم الجانب الإماراتى هذه الإشارات، قد لا يقف أمامها كثيراً بالتحليل، ليس مطالباً بالأمر، لكنها إشارات مصرية - مصرية، يبثها «مدبولى» ليلقى بالطمأنينة فى قلوب كل من هاله الحديث الشائع عن الصفقة، إذ إن سيلاً من المعلومات المغلوطة، والتحليل المغرض، صاحب هذه الصفقة منذ مهدها.
بعضهم يحوّل أسئلته المشروعة إلى حقائق يبنى عليها موقفاً رافضاً مسبقاً؛ مصادراً كل ما قد يُقال حولها، وبعضهم يحوّل أغراضه وأطماعه إلى هالات سوداء يحيط بها المعلن والواضح من اتفاقات، لذا شددت الحكومة المصرية على أنها توقع الصفقة على أرضها ووفقاً لقانونها، بما يضمن حقوق الأجيال الحالية والقادمة، ويرسى مبادئ الاستثمار.. فنحن لا نملك الأرض حتى نبيعها، وفى الحقيقة، تكشف الشائعات حول هذه الصفقة أن هناك ما هو أخطر من الأرض لبيعه، هناك من باع ضميره وشرفه وعرضه، وسال لعابه وراء أعلام دول أخرى، فكشر عن أنيابه وهو يتحدث عن بلده (إذا ما استمر محتفظاً بالجنسية).
وجّه رئيس الوزراء الشكر - نيابة عن حكومته ودولته كاملة - لجموع المصريين، مَن صبروا فى المحنة، فينالهم الرخاء فى المنحة، يمتنّ المسئول لصبر المواطن، لوقوفه إلى جوار بلده فى محنة طالت العالم كله، كان فى إمكانه أن يتحدث بالأسباب: نحن ضحايا مثل كثيرين غيرنا، وليس باليد حيلة، ندفع ثمن حروب لم نحركها، نسدد أقساط مديونية قديمة أدت إليها أحداث سياسية جمّلوها بوصف «الربيع العربى»، فيما يحق فيها أوصاف أخرى، كأن نضيف عليها لفظ «الدامى» هنا قد يستقيم المعنى اتساقاً مع النتائج.. والمُدخلات أيضاً.
عشنا عمرنا نقف على تبة عالية، نباهى أنفسنا بأننا ملوك التفاوض، استعدنا أرضاً كاملة بلغة السلام، بعد حرب مارسنا فيها العولمة، خلعنا عن عدونا زيه العسكرى، وألبسناه «الكستور»، وعاد إلى بلده مزهواً بردائه، وظللنا نحن هنا مزهُوِّين بصنع أيدينا، حرباً وزياً، قبل أن يعتلى المفاوض السياسى المصرى الهرم، مستعيداً طابا.
وقبل أن يصبح التفاوض السياسى المصرى هو اللغة الوحيدة المقبولة فى العالم، فمن ينجح فى مفاوضة ومجابهة ومواجهة الإسرائيليين، سينجح فى كل المهام الصعبة.. آن لنا أن نمد قدمينا فى أرض جديدة، ماذا عن التفاوض الاقتصادى، لقد فتحت مصر أرضاً كانت مغلقة عليها، وصار لنا بهذه الصفقة صفة فى مجال صعب، تتصالح فيه المصالح، وندير لغة يفهمها القاصى والدانى، ليس فيها رابح وخاسر، لغة يربح طرفاها، والضمانات فيها «على عينك يا تاجر».
يطيب لى أن أذكّركم بزمن ولّى على مصر، كانت فيه الأرض تذهب لرجل الأعمال دون أن يدفع مقابلاً يُذكر، تدخل الأرباح حسابات شخصية، لكن الآن وبإعلان الصفقة وتفاصيلها، وتحديد نسب العوائد، ومواعيد وصولها، تدخل الأرباح حسابات دولة، تحدد مقدرات شعب، ترسم مستقبل استثمار، وتمنح الأمل للجميع.
«رأس الحكمة» عنوان ضخم لمرحلة جديدة فى عمر مصر، ندير فيها الإمكانيات، بأعلى ناتج ممكن، نحصد بلغة الشطرنج مجموعة من المكتسبات بحركة واحدة، والفضل هنا ليس للقدرة والمهارة المصرية فحسب، لكن لاتحاد «الثقة والصبر» معاً.