كثيرٌ من المصريين ينتابهم القلقُ من الأوضاع التى تمر بها البلادُ على أكثر من صعيدٍ، وهناك حالةٌ من الارتباك وعدم الفهم، والإحساس بأن الأمور ليست محكمةً أو تحت السيطرة. هذا القدر من الإحساس يحتاج منا جميعاً العملَ على تحديد أولوياتِ المرحلة بشكلٍ واضحٍ، والدفع بالوطن نحو الاستقرارِ، والبعد به عن هاويةِ الفوضى والصراعات المخَرِّبة.
يتصدر تلك الأولويات -من وجهة نظرى- عاملان مهمان:
أولهما: الاستقرارُ السياسى والذى يأتى على رأس أولوياته الانتهاءُ من صياغة الدستور، والاستفتاء عليه.
ومن هنا أؤكد على أهمية تكاتف الجميع من أجل الوصول إلى مسوَّدةٍ نهائيةٍ من الدستور فى أقرب فرصةٍ، والبعد عن محاولات إسقاط الجمعية التأسيسية، والتركيز على المنتج النهائى، والذى يمكن تحسينُه وتجويدُه.
إن من يسعى لمصلحة هذا الوطن لن يكون هَمُّه الأولُ تشكيلَ التأسيسية فى هذه المرحلة على قدر ما سيكون اهتمامُه بالمنتج النهائى، بغض النظر عن آلية تكوينه، ومن هنا يمكن حشد الجهود لكى يتم سدُّ النقص، وإتمام المطلوب، وتحسين الصياغة من وضعها السياسى الحالى المطاطى إلى صياغةٍ قانونيةٍ واضحةٍ، لا تضعنا أمام مواجهات قانونية فى المستقبل لتفسير ما تضمنته أسطر الدستور.
أما العامل الثانى الذى أراه فى غاية الأهمية، ويأتى مباشرة بعد الاستقرار السياسى المنشود، فهو الاقتصاد المصرى؛ إذ إن الوضع الاقتصادى يمر بحالة شديدة الخطورة، وقد يضعنا أمام أزمة اقتصادية غير مسبوقة، فتقارير الربع الأول من العام المالى ٢٠١٢/٢٠١٣ تشير إلى عجزٍ فى الموازنة يصل إلى ٥٠ مليار جنيه، مما يعنى أننا بصدد عجزٍ فى نهاية العام قد يتعدى الـ١٥٠ مليار فى حالة تطبيق بعض الإجراءات الإسعافية السريعة، وقد يصل إلى ٢٠٠ مليار جنيه فى حالة نُموِّ العجز على نحو ما كان عليه فى الربع الأول.
هذه الأرقام وغيرُها من المؤشرات تدل أننا فى وضعٍ يتطلب من جميعِ القُوى السياسية والثورية الانتباهَ إلى المخاطر الحقيقية التى قد تعصِفُ بالبلاد، بل وقد تصيبها بالشلل التام؛ حيث إن حجم الديون الداخلية، وارتفاع العجز فى الميزانية، وتضخم فوائد الديون سيترتب عليها انخفاضُ سعر الجنيه المصرى بشكل حادٍّ، وقلةٌ فى سيولة العملة الأجنبية، وعدمُ قدرة البنوك المحلية على تمويل المشروعاتِ الداخلية، ومن ثَمَّ زيادة نسبة البطالة، وزيادة كبيرة فى الأسعار، ولن يكون أمام الدولة حينها إلا خياراتٌ قليلة، منها: إلغاءُ الدعم، وزيادةُ حجم القروض الخارجية، والإغراقُ فى القروض الداخلية.
ما يجب الآن على الحكومة المصرية هو مواجهةُ الشعب بتفاصيلِ الوضع فى غاية الشفافية، ووضع الحلول المناسبة السريعة، ويتطلب منها أيضاً القدرة على اتخاذِ قراراتٍ نوعيةٍ حاسمة بعيدةٍ عن الأطر الشكلية المعيبة التى لا تسمن ولا تغنى من جوع، ويجب عليها أيضاً أن تَعِىَ متطلبات المرحلة، وتفكر بعقلية الثورة وأهدافها، فلا تخرج علينا بتقاريرَ زائفةٍ، أو موهِمةٍ تضلل المصريين، وتشعرهم بالتحسن، على عكس ما عليه الواقعُ الأليم.
فى النهاية أقول لجميع الإخوة والرفاق، كَفَانَا صراعاً على ما هو زائفٌ، ولنكن أكثرَ حزماً فيما هو جادٌّ، فالوطن أثْمَن من كل يجرى أسفلَ الرماد، ولن ينفَعَنَا ندم حين تعصِف أيدينا بما فَقَد من أجله شبابُنا الدماءَ والأرواحَ.