المارقة وأمها

صلاح البلك

صلاح البلك

كاتب صحفي

لم تعرف الولايات المتحدة الطريق إلى قلبى وقلوب العرب يوماً، بسبب انحيازها الكامل ضد القضايا العربية ومواقفها المعادية وقتلها الملايين ممن تجمعنا بهم العروبة والدين والإنسانية، حتى باتت كل سياساتها وتصرفاتها وحتى نواياها محل شك، ووصل الأمر إلى قياس مدى صحة مواقفنا بمدى تعارضها مع توجّهات الحكومات الأمريكية المتتابعة، والتى لم تعرف الحق ولو مصادفة.

كل ما ترتكبه إسرائيل من جرائم برعاية وتمويل أمريكى مهما بلغت تكلفتها، فالخزائن على مصراعيها أمامها، والتأييد السياسى بلا حدود فى مواجهة كل القرارات الأممية والتوجّهات الشعبية.. لا شىء يهم حتى أمن المنطقة.. المهم إسرائيل وما تريد، والسعى لتسجيل انتصارات وهمية رغم سقوط مفهوم النصر العسكرى وتحقّق الهزيمة بمفاهيمها الكاملة فى ظل الفشل التام وتعذّر تحقيق أى هدف من الحرب على غزة.

يُمثل استهداف خيام الإيواء للنازحين فى منطقة تل السلطان «محرقة الخيام» أكبر انتهاك إسرائيلى للقانون الدولى، وتحدياً لقرار محكمة العدل الدولية، ولا نظنه الأخير فى سلسلة من المذابح تُرتكب كل يوم.

الدولة «المارقة» تستهدف النازحين العزل فى المخيمات بما يخالف كل ما تدعيه أمام حليفتها الولايات المتحدة والعالم أجمع حول حرصها على أرواح المدنيين، وهى تستهدفهم بالفعل منذ الأيام الأولى من حرب الإبادة الجارية هناك. صمت الولايات المتحدة ودعمها غير المشروط لم يعد مقبولاً على كل المستويات الرسمية والشعبية فى جميع أنحاء العالم المتحضّر، بل بات يُهدّد ما تدّعيه من كونها حامية القيم الإنسانية، فيما لا تكلف نفسها استخدام قدرتها غير المحدودة للضغط على إسرائيل لوقف القتل وأعمال الإبادة.

مسئولية أمريكا عن كل ما يحدث تتساوى، بل تفوق المسئولية الجنائية للنظام المتطرّف الذى يحكم إسرائيل ويضع العالم أجمع أمام سلوك أمريكى إسرائيلى مشترك يستوجب المحاسبة بخصوص أسلحة ومساعدات بالمليارات تُستخدم فى قتل الحياة وإبادة شعب وتجويعه، بما يمثل وصمة عار على المجتمع الدولى ويتطلب سرعة التدخّل لحماية ما تبقى فى قطاع غزة. الجريمة المستمرة على أرض الواقع والمجازر التى لا تتوقف تؤكد أننا أمام طرف لا يحترم كل التحذيرات والمخاوف من تفجير أوضاع المنطقة، بل تحاول فيه إسرائيل توسيع نطاق المواجهة واستدراج أطراف أخرى فى حرب لا تلوح لها نهاية على المدى القريب.

لن تكسب إسرائيل الحرب، ولن تتوقف عن جرائمها طالما استمرت أمريكا فى دعمها على المستوى الدبلوماسى فى المحافل الدولية وترفض القيام بدورها فى العمل على وقف الحرب، مما يثير التساؤلات عن توافق ما يحدث مع إرادة أمريكية ترقى إلى درجة الشراكة فى كل ما يُرتكب من جرائم.

الدولة التى لا تهتم بحياة مواطنيها من الأسرى الذين يموتون تباعاً خلال عمليات القصف وتواجه ذويهم بالعنف خلال المظاهرات المطالبة باتفاق هدنة وتحريرهم لا تقيم للأرواح وزناً.. يموت من يموت.. المهم أن تحيا الجماعة المتطرّفة وتبقى فى السلطة. إسرائيل تتعمّد تحدى كل من حولها، تحتل معبر رفح وتحوله إلى قاعدة عسكرية، وتمنع وصول المساعدات فى الوقت الذى تُحمل فيه تبعات تصرفاتها للأطراف الأخرى الضالعة فى الوساطة، فى سبيل الوصول إلى هدنة حقيقية ووقف إطلاق النار وإنقاذ الأبرياء.

القادم خطير جداً على السلم العالمى والاستقرار.. نحن أمام دولة «مارقة» لا تقبل أى حلول مطروحة ولا تلتزم بأى قرارات أممية وتسعى إلى فرض إرادتها، مستعينة بحليفتها فى مواجهة دول المنطقة والعالم أجمع.. دولة تحتكر الحقيقة ولا تُفضى المفاوضات معها إلى أى حلول.. وجهاتها ثابتة ولا تنوى وقف الحرب أو الاعتراف بدولة فلسطينية، ولم يعد أمام العالم سوى بحث سُبل فرض السلام على كل الأطراف.