السينما المصرية التاريخ والتأثير

إمام أحمد

إمام أحمد

كاتب صحفي

«هى أشياءٌ لا تُشترى»

هذه الجملة الآسرة للشاعر المصرى الكبير «أمل دنقل» تبدو عنواناً صالحاً لكل ما هو مصرى، سواء كان فى التاريخ أو الجغرافيا، أدباً أو فناً، بشراً أو حجراً. أينما وليت وجهك نحو قطعة مصرية تقفز العبارة الآسرة لتأخذ موقعها المستحق ومكانها اللائق بها، فتجد نفسك تقول: هى أشياءٌ لا تُشترى.. صدقاً وحقاً.

السينما المصرية واحدة من تلك الأشياء التى لا تُشترى، لما تحمله من تاريخ مديد يتجاوز أعمار دول، ولما قدمته وتقدمه من قيمة إنسانية عظيمة ساهمت فى تنمية المجتمع وتوثيق أحداثه الكبرى، ولما تمتاز به عناصر إبداع بشرية امتدت عبر أجيال متتالية فى كل دوائر هذه الصناعة المهمة ومراحلها العديدة.

مع نهايات القرن التاسع عشر، وتحديداً فى العام 1895 كان أول عرض سينمائى تجارى تشهده مصر. نعم عزيزى القارئ، صدّق ما قرأت، فليس ثمة خطأ فى التاريخ، فى يناير من ذلك العام الذى لم تعرف فيه العديد من البلدان والمجتمعات الأساسيات الأولى لحياة الإنسان الحديث، كان عدد من المصريين يشاهدون العرض السينمائى الصامت الأول فى مقهى زوانى بمدينة الإسكندرية، بعد سنة واحدة من إجراء نفس التجربة فى مدينة باريس، التى كانت الأولى من نوعها على مستوى العالم حينئذ.

فى العام التالى، وتحديداً فى يناير 1896 استضافت القاهرة التجربة مرة أخرى فى سينما بجوار حديقة الأزبكية وسط العاصمة كانت تُسمى حينذاك بـ«سينما سانتى»، وهى أول دار عرض سينمائى مصرية.

يا للهول.. حدث ذلك قبل أن تتشكل عصبة الأمم المتحدة، وقبل أن يولد النظام العالمى الجديد، وقبل أن تندلع نيران الحربين العالميتين الأولى والثانية، وقبل أن تنشأ دول وتختفى دول، وتصعد إمبراطوريات وتندثر إمبراطوريات.

قبل كل العالم الحديث الذى نعرفه حالياً.. كان لدينا «سينما».

قبل أن تنشأ هوليود نفسها، عاصمة الكرة الأرضية لتلك الصناعة.. كان لدينا «سينما».

بعد تلك التجربتين، فى الإسكندرية والقاهرة، تعددت التجارب السينمائية الصامتة، حتى كانت مصر على موعد مع أول فيلم سينمائى ناطق فى العام 1932، وهو فيلم «أولاد الذوات» من بطولة عميد المسرح العربى «يوسف بك وهبى»، والفنانة القديرة «أمينة رزق»، وأخرجه الفنان «محمد كريم»، ابن حى عابدين العريق، الذى وقع فى غرام الفنون منذ صباه، وكان من المؤسسين الأوائل للسينما المصرية.

هذا عن التاريخ، أما عن القيمة والتأثير.. فكانت السينما المصرية على مدار عمرها وإلى اليوم هى مرآة المجتمع، وأرشيفه المحفوظ. ساهمت فى تكوينه، وعبّرت عنه، وأضافت له، وأخذت منه، ووثقت سنوات انتصاره، وسجلت لحظات ضعفه. أضحكت وأبكت، أرشدت ونصحت، حذرت من أشياء، وحرضت على أشياء. وكان ملهمها دائماً هو خيال مبدعيها من كبار الكتاب والمخرجين والفنانين والفنيين الذين أفنوا أعمارهم فى خدمة تلك الصناعة وهذا الفن.

ليس هذا الحديث من باب الإغراق فى الماضى الذى لا ينفع. ولا هو من باب الشيفونية المتعصبة التى تغالى بلا حق.

بل هو تذكرة لمن نسى، وإخبارٌ لمن جهل، وتحميل مسئولية لكل من عمل بتلك المهنة الرفيعة.

عزيزى الفنان المبدع تذكر: هى أشياءٌ لا تُشترى