تحية لـ«مارك روته»

«مارك روته» نموذج مشرف ومبهر، فبعد 14 عاماً من حكم هولندا كواحدة من أغنى دول أوروبا، ودّع مقر الحكومة بطريقة غير مألوفة ورائعة أذهلت العالم كله، ولاقت إعجابه، فقد سلم مقاليد الحكم لسلفه بسلاسة وبساطة، ثم ركب دراجته الهوائية التى طالما ركبها طوال سنوات حكمه، قاصداً منزله، بينما كاميرات الصحفيين تلاحقه، وهى توثّق هذه اللحظة التاريخية، والجمهور فى الشوارع يصفّق له، ودّع الحكم وسلمه لسلفه دون صراعات ولا دماء.

لقد اعتاد «مارك روته» على الذهاب إلى مقر حكمه والعودة منه بهذه الدراجة البسيطة، وكانت له مواقف جميلة استحضرها رواد مواقع التواصل الاجتماعى الذين أثار «روته» إعجابهم، فنشروا صورة له وهو ينظف الأرض بنفسه بعد أن نحى العاملة، لأن كوب القهوة قد سقط منه على الأرض، هذا النموذج المبهر أثار إعجاب الجميع، عرباً وعجماً.سينقل «مارك روته» إلى منصب دولى أرفع وأعلى، ولعل الإعجاب الأوروبى بتواضعه وحُسن إدارته هو ما دفع لاختياره أميناً للحلف الأطلسى.

ما هذا التواضع؟! ومن أين أتى بهذه البساطة والثقة والحميمية مع شعبه؟! صورة «مارك روته» وهو يخرج مفتاح قفل الدراجة من جيبه ويفتحها ثم يتحرك بها كانت غاية فى الإبهار، ففراش المدرسة عندنا يأبى أن يركب الدراجة الهوائية، فكيف بحاكم هولندا الغنية والقوية لا يستخدم سوى دراجته الهوائية ذهاباً وإياباً أثناء الحكم وبعده.

ما فعله «مارك روته» جعلنى أتذكر حديث الرسول، صلى الله عليه وسلم، الذى تنبأ فيه بقوله «تقوم الساعة والروم أكثر الناس»، وقد اهتم الصحابى الجليل عمرو بن العاص بهذا الحديث، لأنه خبر الروم كثيراً فى رحلاته التجارية المكوكية إلى مصر والشام قبل إسلامه، فعدد أسباب ذلك فى خصال أربع «إنهم لأحلم الناس عند فتنة، وأسرعهم إفاقة بعد مصيبة، وأوشكهم كرة بعد فرة، وأرحمهم لمسكين ويتيم وضعيف، وخامسة حسنة جميلة وأمنعهم من ظلم الملوك».

وهذه الخصال الأربع التى ذكرها العبقرى السياسى عمرو بن العاص حقيقة واقعة نلمسها كل يوم فى الغرب، ولعل مشهد «مارك روته»، وهو يركب دراجته ذهاباً وإياباً إلى مقر الحكم لدليل دامغ على ما ذكره عمرو بن العاص فى تفسير حديث رسول الله.

الغرب حقاً يتمتّع بهذه الخصال ويحافظ عليها واكتساب كل خصلة من هذه الخصال الأربع ليس سهلاً ولا بسيطاً ويحتاج ترسيخه إلى حاكم عظيم وأمة واعية بحقوقها، وقوانين كلها تصب فى مصلحة الوطن والمواطنين، وتطبق على الصغير والكبير والحاكم والمحكوم والقوى والضعيف، سواء بسواء.ولا يعنى حديث رسول الله أكثرية العدد للروم، ولكن يعنى القوة والبأس والتقدّم العلمى والتقنى والاستقرار السياسى والاقتصادى والاجتماعى.

رئيس وزراء هولندا الذى أبهر العالم كله بسيرته ومسيرته وبساطته وعفة يده ستجد له أمثلة فى الغرب تقترب فى تفاصيلها أو تبتعد عنه قليلاً، ولكن يجمعها العدل والإنصاف والعفّة وخدمة المواطنين وتقديمه لشعبه على مصالحه وعلى ما سواه.

لقد ظهر الفرق بين الغرب والشرق فكراً وسلوكاً منذ أن أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم، رسالتين، إحداهما إلى كسرى ملك الفرس والأخرى إلى هرقل ملك الروم، فما كان من كسرى إلا أن مزّق الرسالة وأمر بالقبض على الرسول عن طريق واليه فى اليمن وكل ذلك، لأن الرسول ذكر اسمه قبل كسرى فى الرسالة، فلما علم الرسول بذلك دعا الله أن يمزق ملكه شر ممزق، وحدث ذلك فعلاً وانتهت مملكة فارس إلى الأبد، أما هرقل فقرأ الرسالة بتمعن وسأل عن القوافل التى تأتى من بلاد النبى، صلى الله عليه وسلم، ووجد فيهم أبا سفيان بن حرب فسأله 11 سؤالاً دقيقاً أجابها أبوسفيان جميعاً، فخرج منها هرقل بـ11 استنتاجاً، مثل هل كان يكذب من قبل؟ فأجيب: لا قال فما كان ليذر الكذب على قومه ويكذب على الله، وسؤال: هل يغدر؟ قالوا: لا.. وهكذا الرّسل لا تغدر، هل كان فى أجداده ملك قيل له: لا.. فقال: لو كان فى آبائه ملك لقُلنا يطلب ملك أبيه.

واستنتج هرقل فى النهاية أن الرسول سيملك موطن قدمه وكان يومها فى القدس الشريفة يحج شكراً للنصر على الفرس.أهم ما عند الغرب رفق الملوك ورحمتهم برعاياهم وشفقتهم عليهم والتداول السلمى للسلطة دون دماء ولا صراعات ولا اقتتال.

قارنوا بين ما يحدث فى السودان، وما يفعله رئيس وزراء هولندا، وقارنوا بين هولندا والسودان، ولعل السودان أغنى من هولندا.سلام على أهل العدل والإنصاف من كل ملة ودين وعرق، وتحية لمارك روته الذى أبهرنا جميعاً وذكرنا بأمثال عمر بن الخطاب وعمر بن عبدالعزيز.