كيف يتلاعب «نتنياهو» بمفاوضات الصفقة؟

جيهان فوزى

جيهان فوزى

كاتب صحفي

كلما اقتربت صفقة التبادل من الاتفاق، يقف «نتنياهو» حائط صد لإفشالها، ويبدو أن الحديث عن اقتراب الاتفاق على صفقة تبادل الأسرى ووقف إطلاق النار في غزة، قد بدأ بالتراجع بعد البيان الذي صدر عن مكتب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، الذي يضع العقبات أمام المفاوضات حول الصفقة وتقويض صلاحيات الوفد الإسرائيلي المفاوض، وهو مبدأ يتخذه «نتنياهو» منذ بداية الحرب الإسرائيلية على غزة بشكل ممنهج ومتعمد، رغم ضغط الشارع الإسرائيلي والمعارضة وقيادات الجيش الذين يميلون إلى عقد الصفقة الآن؟

لكن «نتنياهو» وأحزاب اليمين الصهيونية يقفون حائلاً دون ذلك، ولا تسمح بأي تقدم في هذا الملف، فلم يعد خافياً على أحد نوايا «نتنياهو» وأهدافه من الحرب بعد أن باتت أهدافاً شخصية بحتة، أكثر منها أهدافاً استراتيجية تحقق لإسرائيل النصر وهزيمة حماس. «نتنياهو» يتلاعب بالجميع ويشتري الوقت، غير آبه بالضغوط المتصاعدة من حوله، سواء في الشارع الإسرائيلي أو داخل أروقة الحكومة، أو ضغوط الإدارة الأمريكية التي تشعر باليأس من إبرام صفقة تبادل ووقف للحرب، طالما بقي «نتنياهو» على رأس السلطة في إسرائيل.

لقد ردت المقاومة الفلسطينية في غزة، على مناورات نتنياهو بطريقتين: فهي من جهة أصدرت بياناً واضحاً يشير إلى أن استمرار «نتنياهو» في حرب الإبادة على الفلسطينيين سيعيد المفاوضات إلى نقطة الصفر مرة أخرى، ومن جهة أخرى فقد خاضت المقاومة معارك شرسة مع الجيش الإسرائيلي في منطقة تل الهوى وفي وسط مدينة غزة، وقد اعترفت المصادر الرسمية الإسرائيلية بأن مواجهات الاثنين الماضي صعبة وخطيرة، سقط خلالها عدد كبير من الضباط والجنود بين قتيل وجريح، وهذا الرد يتوافق مع توقعات المستويات الأمنية الإسرائيلية على اختلافها، فهي قد أوصت القيادة السياسية بالقبول الفوري بالصفقة، بالنظر إلى أن الحرب مع حماس باتت مكلفة وعديمة الجدوى، وعلى وجه التحديد فإن توصياتها تؤكد أن حماس قد عادت ترميم ذراعها العسكرية، وأن الجزء الأكبر من الأنفاق ما زال سليماً وصالحاً للاستخدام، بهدف شن الهجمات على قطاعات الجيش المنتشرة في غزة، شمالاً وجنوباً، وتخلص تلك التوصيات إلى أن الحرب مع حماس قد تؤتي ثمارها فقط في حال استمرار الحرب سنوات عدة.

من غير المعروف ما إذا كان «نتنياهو» سيغامر فعلاً بجيشه في معركة غير معروفة النتائج، أو أنه يدرك مخاطر العناد، لكنه يناور لتحسين شروط التفاوض، وفي هذا السياق على المراقب الفطن أن يتمهل في إطلاق التوقعات استناداً إلى أقوال «نتنياهو»، فتلك الأقوال تتغير بسرعة أحياناً، ومنها على سبيل المثال استعداد «نتنياهو» المفاجئ للانسحاب من محور فيلاديلفي «صلاح الدين» وتسليمه إلى السلطات المصرية، مع شرط واحد هو أن يوجد الأمن المصري على طرفي المعبر؟! وقد جاءت هذه التصريحات على لسان مسئول في مكتب «نتنياهو» رفض الافصاح عن اسمه.

وهناك تراجع آخر بحسب المصادر الأمريكية متعلق بإصرار نتنياهو على تفتيش السكان العائدين إلى شمال غزة، خلال المرحلة الأولى من تنفيذ الاتفاق، وهذا يشير بوجه عام إلى أن أي توقعات تستند إلى تصريحات «نتنياهو»، لن تكون ذات مصداقية، وأن احتمالات نجاح أو فشل المفاوضات لا تتعلق أساساً برؤية نتنياهو منفرداً، بل بما يتم التوافق عليه بين «نتنياهو» وشركائه في الائتلاف، تحت سقف واضح وهو الحفاظ على تماسك الحكومة.

في الوقت نفسه سيكون هذا التوافق مرتبطاً بشكل أو بآخر، بالعلاقة الشائكة بين تل أبيب وواشنطن التي تحاول إرغام «نتنياهو» على قبول المقترحات الأمريكية الخاصة بالمفاوضات، على الرغم من تراجع التأثير الأمريكي الملحوظ في القدرة على الفعل والتأثير، بسبب الخشية من نفوذ اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة، وقدرته على المساهمة الواضحة في تقرير أي من المتنافسين سيفوز خلال الانتخابات المقبلة.

لقد عدلت واشنطن صيغة الصفقة التي عرضها بايدن، وبحسب وسائل الإعلام الأمريكية فإن الولايات المتحدة، قد ألزمت نفسها في المقترح المعدل الجديد، بالعمل على استدامة وقف إطلاق النار، دون أن تقدم ضمانات أكيدة أن الجيش الإسرائيلي سوف يمتنع عن شن أي هجوم بعد بدء تنفيذ الاتفاق، ومن الواضح أن هذا الالتزام الأمريكي قد وجدت فيه حماس مخرجاً ملائماً من التعثر الذي أصاب المفاوضات، وفيما يبدو أيضاً فإن إسرائيل لم تجد في الصيغة الجديدة ما يضعف موقف «نتنياهو» أمام شركائه في اليمين الصهيوني المتطرف، وبالتالي فهي لم تعارض هذا التعديل، وبالتالي سيتاح لنتنياهو الادعاء بأنه لم يوقف الحرب، وبأن تلك الصفقة ليست سوى هدنة طويلة الأجل لا تمنع من العودة للقتال في وقت ما في المستقبل.