الثقافة في آخر الطابور

فى أبريل الماضى، نشر الشاعر والكاتب الأستاذ على عطا على صفحته فى «فيس بوك» نبأ إغلاق القسم الثقافى فى وكالة أنباء الشرق الأوسط، وهى (وكالة الأنباء الرسمية لمصر).

علّقتُ يومها على هذا الخبر قائلاً: «شىء لم تقدم على فعله حتى وكالة أنباء جزيرة تائهة فى محيط، أو مصطبة قبيلة معزولة عن العالم إن فكر أبناؤها فى وسيلة تعبير عن حالها.

أما وكالات أنباء الدول المتقدّمة فتعتبر متابعة أخبار الثقافة جزءاً أصيلاً من عملها، بل جانباً من مهمتها ورسالتها، ودفاعها عن الدولة، إن كانت وكالة رسمية.

فهل توجد دولة بلا ثقافة؟ وهل لمصر العظيمة العريقة الغنية بإنتاج مثقفيها، يمكن لوكالتها الرسمية الاستغناء عن الثقافة؟».

وسارع رئيس التحرير الأٍستاذ أحمد كمال بتصحيح الوضع، وأبقى على القسم، وإن كان إضعافه ظل مستمراً منذ سنوات، فى عهد أسلافه، إذ كان كل منهم ينظر إلى الثقافة باعتبارها شيئاً هامشياً، شأنهم شأن أغلب رؤساء تحرير الصحف، وهو أمر مُؤسف ومُزعج فى آن.

أقول هنا بوضوح إنه رغم كل عوامل التعرية التى هبّت على الثقافة فى مصر، ورغم أن علاقة كثيرين من أصحاب القرار والإدارة بالثقافة مثل علاقة فلاح أجير بالبرمجة، فإن بلادنا العريقة فيها عشرات الآلاف من منتجى الآداب والفنون والمختصين فى العلوم الإنسانية، وحتى خبراء العلوم البحتة الذين يعرفون همزات الوصل بينها وبين الثقافة العامة، وآلاف من الفنانين التشكيليين والممثلين والموسيقيين.

وهناك آلاف من كتاب الأدب، روايات وشعر وقصص قصيرة ومسرحيات ونصوص عابرة للأنواع وأدب رحلات، وآلاف من الباحثين فى مختلف أنواع العلوم الإنسانية، المتميزون منهم أكثر عدداً، وأطول مدداً، من بلاد كثيرة.

ولا تزال هناك صحف ومواقع إخبارية عربية كثيرة تنتظر أخباراً وتقارير وتحقيقات وحوارات عن الثقافة والأدب والفن فى مصر، وتجور صحفنا ومواقعنا الإخبارية على الثقافة لمجرد أن رؤساء تحريرها يعتقدون أن الثقافة شىء تافه يمكن إزاحته، أو شىء كريه يجب تجنّبه، وأن كراهية المعرفة هى السبيل الذى يتقدّم عليه كل الذين يجلسون فى الكراسى الإدارية العليا.

لهذا لا يتردّد هؤلاء فى إلغاء صفحة الثقافة إن جاءهم إعلان أو أى موضوع آخر، رغم أننا فى بلد كانت أكبر صحيفة فيه تُباع بقصيدة جديدة لأحمد شوقى، أو مسرحية لتوفيق الحكيم، أو قصة لنجيب محفوظ، أو مقال نقدى لطه حسين والعقاد.

هل يتوهم أى رئيس تحرير من هؤلاء أن السياسة والاقتصاد ليسا بعيدين عن الثقافة وشئونها وشجونها.

ألم يقرأ أىٌّ منهم عن رأس المال الثقافى للأفراد والدول؟ ألم يصل إلى رأسه شىء عن اقتصاديات المعرفة، أو الصناعات الإبداعية، التى تُدر على الولايات المتحدة دخلاً أكبر مما يُدره السلاح؟ ألم يترجم شيئاً فى حياته الصحفية عن دور الثقافة فى الاقتصادات المتقدّمة؟

أقول هذا دون مصلحة لى، فالمؤسسات الإعلامية القومية، وعلى رأسها وكالة أنباء الشرق الأوسط، ممتنعة منذ سنين عن نشر أى أخبار عن إصداراتى من الروايات والمجموعات القصصية والكتب الفكرية، وقيل لى إنهم يخشون من نشر أى أخبار عن كاتب معارض، أو إن لديهم تعليمات عُليا بهذا، كما هى لدى المؤسسات الصحفية القومية، لكننى أظن أنهم ملكيون أكثر من الملك نفسه.

لكن منذ متى كنا نقصر الاهتمام على مصلحة فردية أو منفعة خاصة؟!

لقد تم إمراض الثقافة المصرية عن إهمال وجهل، أو عمد وقصد، وهى مسألة يرصدها كتاب «تحولات الثقافة فى مصر» للكاتب صبحى موسى، الذى صدر قبل شهور، عن دارى نشر هما بيت الحكمة ودار النسيم.

هذا الكتاب شرح جانباً كبيراً من السلبيات التى حلت بالمؤسسات الثقافية، والفعاليات الأدبية والفنية.

إنه تقرير حالة عن وضع الثقافة المصرية الراهنة، يُبين كيف سرى الخراب فى أوصالها، لا غنى عنه لمن أراد أن يُشخّص المرض، من أجل وضع علاج، إن لم يكن الآن، ففى زمن آت لا محالة.