التجربة المصرية في 10 سنوات من سيناء إلى العلمين
لكل أمة تجاربها، ولكل تجربة سياقاتها. ولفهم أى تجربة لا بد من فهم السياق.
وليس الهدف من فهم التجارب وقراءتها وتأملها هو مدحها أو قدحها، التصفيق الحاد لها، أو النَيل المغرض منها. إنما الهدف هو خلق حالة من الإدراك للماضى تسهم فى تقدم الأمم نحو المستقبل.
بدون إدراك جاد وحقيقى وصادق.. تُنسف كل الآمال فى الإبحار قُدماً إلى الأمام وتصير سفن البلاد عُرضة لأى اضطرابات طارئة.
الإدراك لبِنة أولى فى حائط الأمن القومى.
ولمصر فى آخر عشر سنوات تجربتها الفريدة، الشاقة، الباسلة، التى تستحق أن تُروى، وتستحق أن تخضع لأدوات الفهم والقياس. تجربة بدأت من الحرب على الإرهاب فى سيناء، حتى وصلت إلى بناء الأبراج والمسارح وساحات الإبداع والثقافة والترفيه فى العلمين الجديدة.
بكل حق، ما بين مخاوف واضطرابات مصر فى 2014، وتطلعاتها الكبرى الطموحة فى 2024.. تجربة جديرة بالاحترام.
بدأت مصر تلك التجربة -التى تمتد الآن لعشر سنوات- بجراح بالغة فى كل جسدها ونزيف سياسى واقتصادى واجتماعى عميق امتد إلى كل الأطراف بعد ثلاث سنوات من الفوضى والسيولة والاهتزازات المدوية ما بين 2011 و2013. ثلاث سنوات كانت الأصعب فى تاريخ مصر الحديث كله، حيث باتت الدولة المصرية -بكل مكوناتها الخشنة والناعمة آنذاك- عُرضة للسقوط.
هذا هو السياق الذى لا بد من الإلمام به عند قراءة الأسطر الأولى فى التجربة.
ثم انتقلت الدولة المصرية من مرحلة السيولة والفوضى إلى مرحلة الحرب الشاملة على أخطر تنظيمات إرهابية مرت على البلاد، منذ اختراع مصطلح الإرهاب على نحوه المفهوم الآن ودلالته المستقرة حالياً. كان هدف الإرهاب فى الماضى -كما هو واضح فى اسمه- أن يُرهبك، يجعلك تهتز، تخاف، ترجع إلى الوراء.
هذا الهدف تغيّر مع موجة الإرهاب الحديث التى طفحت فى مصر بعد 2013، فبدلاً من أن يُرهبك أصبح يريد التخلص منك تماماً، وبدلاً من إرغامك على الرجوع للوراء أصبح يريد جز رقبتك، وبدلاً من التأثير فى قرار وطنى أصبح يريد أن يكون هو صاحب القرار، وصاحب العلم، وصاحب الأرض.
إنها محاولة لاستبدال التنظيمات الإرهابية بالدولة الوطنية الحديثة كاملةً، بكل مفاهيمها ومؤسساتها وهويتها الممتدة عبر التاريخ. بمعنى آخر هى حرب وجود لم تكن لتُفضى سوى لاختيار بين اثنتين: الدولة أو الجماعة. هكذا يجب فهم ما كان يدور.
لقد خاضت مصر هذه الحرب بكل إدراك وشرف وبسالة وإخلاص وثبات وشجاعة، تحت قيادة رئيسها عبدالفتاح السيسى، بطل لحظة الثالث من يوليو الاستثنائية، تلك اللحظة التى طوت صفحة الجماعة، وفتحت صفحة جديدة من صفحات الوطن.
بالتزامن مع الحرب على الإرهاب، كانت تعمل الدولة المصرية على تثبيت أركان مؤسساتها الوطنية التى تعرضت لعواصف الفوضى فى السنوات السابقة، وكانت تبذل جنباً إلى جنب -ولا تزال- جهوداً غير محدودة من أجل التنمية الشاملة تسارع بها حركة الزمن وتعوّض بها ما فاتها.
خاضت مصر حربها على الإرهاب فى ساحات القتال بيدٍ، وخاضت عمليات تنميتها الشاملة فى ساحات البناء والتعمير باليد الأخرى.
من هذه الزاوية الهامة، يمكننا فهم حالة الانتقال من سيناء إلى العلمين الجديدة. من الحرب على الإرهاب إلى البناء والتعمير، ومن الاضطراب إلى الاستقرار، ومن الخوف إلى الفرح، ومن شارات الحداد السوداء إلى كل ألوان البهجة والإبداع.
ليس ما يحدث فى مدينة العلمين الجديدة مجرد مهرجان ترفيهى بكل ما يحمل من فنون ومسابقات وأنشطة.. إنما هو قبل ذلك وبعده عنوان عريض لإرادة دولة فى سنوات صعبة أرادت فيها أن تنتقل من دائرة الخطر إلى دائرة الأمان.
دولة أرادت أن تعيد بناء الانطباع عنها.. وأحسنت ما صنعت