أين «الضربة القاضية» في مناظرة «المحبة الأخوية»؟

«إنهم يأكلون الكلاب»، «يأكلون القطط»، متهماً المهاجرين بحسب وصفه، ومكرراً بانفعال وغضب «إنهم يأكلون الحيوانات الأليفة التى يقتنيها الناس»، قاصداً سكان بلاده الأصليين، وهو الأمر الذى اعترض عليه أحد مذيعى المناظرة، موضحاً أنه لم ترد تقارير موثوقة عن تعرض حيوانات أليفة للأذى. كانت هذه مبرر المرشح الجمهورى والرئيس السابق للولايات المتحدة الأمريكية لإصراره على منع تدفق المهاجرين إلى بلاده، مؤكداً أنه شاهد مقابلات تليفزيونية مع أشخاص قالوا إن كلابهم تم أخذها وأكلها.

وأصبحت هذه هى العبارة التى التقطتها حملة المنافسة الديمقراطية كامالا هاريس وحولتها بالدعاية المضادة إلى «خطيئة سياسية» لترامب، الذى بدا متزناً ومدافعاً صلباً للهجمات التى سددتها له امرأة ملونة، قالت عرافة إنها ستصبح بعد شهرين رئيساً للولايات المتحدة الأمريكية، وأبدت هاريس شراسة غير معهودة فى لقائها الأول معه، لتمر المناظرة الرئاسية الأولى التى جمعت للمرة الأول المتنافسين على شاشة (ABC NEWS) بتعادل نسبى فى معظم وقتها الذى تجاوز الدقائق التسعين.

وقد انطلقت المناظرة المرتقبة من مركز الدستور الوطنى بولاية بنسلفانيا، وتحديداً من مدينة فيلادلفيا، التى تعنى فى اللغة اليونانية القديمة المحبة الأخوية، وهى من أقدم المدن الأمريكية وأكبرها، يأتى ترتيبها الخامس من حيث المساحة، وارتبط اسم المدينة عندى برئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو، الذى أمضى فيها فترة وجيزة من شبابه، أما الارتباط الأهم بينهما فقد ظهر فى تعلقه (المرضى) بالمحور الذى يفصل حدود غزة عن مصر، وتطلق عليه إسرائيل اسم «محور فيلادلفيا»، بينما يطلق عليه أهل القطاع محور صلاح الدين.

ولم يكن نتنياهو أو فلسطين بعيدين عن المناظرة ومكان انعقادها، فقد حاصرت الحشود الرافضة للحرب فى غزة، والمطالبة بالوقف الفورى لإطلاق النار مركز الدستور الوطنى، مما اضطر شرطة فيلادلفيا لإقامة حواجز أمنية لتنظيم وجودهم. أما فى الداخل وبين المتناظرين فقد حضر الشرق الأوسط بكل ملفاته الساخنة، وفى مقدمتها الحرب فى غزة، حيث أكدت كامالا هاريس، نائبة الرئيس الأمريكى الحالى، حق إسرائيل فى الرد على جريمة السابع من أكتوبر وتحرير الرهائن، لكنها أضافت أن «هذه الحرب يجب أن تتوقف فوراً لأنها تتحول إلى كارثة إنسانية»، و«أنها تؤيد حل الدولتين».

فيما قال ترامب إن هاريس «تكره إسرائيل»، وإنه يعتقد أنها إذا أصبحت رئيسة فإن «إسرائيل ستزول» ولن تكون موجودة فى غضون عامين، لتردّ عليه المرشحة الديمقراطية بالقول إنّ اتّهامها بكراهية إسرائيل «غير صحيح على الإطلاق»، مؤكدة أنها دعمت تل أبيب طوال مسيرتها المهنية. فذكرها ترامب بأنها امتنعت عن لقاء نتنياهو عند زيارته الأخيرة للكونجرس لـ«حضور مناسبة لمجموعتها النسائية أيام دراستها الجامعية» مؤكداً أنه إذا كان رئيساً فإن حرب غزة لم تكن لتحدث، لأن سياساته فى حصار إيران كانت تمنعها من تمويل أى عمليات عسكرية فى الشرق الأوسط.

تعتبر هذه المناظرة الرئاسية السابعة لدونالد ترامب منذ ترشحه لأول مرة للرئاسة فى عام 2016، أما هاريس فهى المناظرة الرئاسية الأولى لها، وفيما عدا حديثهما المتشابه والمتوافق عن منطقتنا وعشقهما الأبدى التنافسى لإسرائيل وأمنها وشعبها على حساب الأشقاء فى فلسطين، فالمتناظران اختلفا على كل شىء آخر يتعلق بقضايا بلادهما الداخلية اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً، أو الخارجية وفى مقدمتها بالطبع الأزمة الروسية الأوكرانية.

وحمل ختام المناظرة الرئاسية مختصراً لهذا الخلاف، حيث بدأت هاريس كلمتها الختامية قائلة إنها وترامب لديهما رؤيتان «مختلفتان للغاية» لبلدهما، وكررت عبارة سبق أن استخدمتها من قبل: «هى تركز على المستقبل بينما يركز هو على الماضى»، ثم أضافت: «لن نعود إلى الوراء. يمكننا رسم طريق جديد للمضى قدماً». أما ترامب فقد حذر من «انحدار الأمة» موضحاً أن سياسات هاريس لا تعنى شيئاً، متسائلاً: «لماذا تعدين الناخبين ولم تنفذى هذه الوعود وقد كنتِ فى السلطة بجانب بايدن لمدة ثلاث سنوات ونصف ولم تحققا أياً منها».

اجتمع رهط من المحللين، واتفق معهم، على أن نتيجة المناظرة هى التعادل السلبى على المستوى التكتيكى، من حيث التأثير على الجمهور المستهدف من الأصوات المتأرجحة وهم أقلية، فيما حسمت الغالبية خيارهم بناء على مصالحهم وتمثيل أى من المرشحين لأجندة اهتماماتهم. أما على المستوى الاستراتيجى، فإن تعادل هاريس (المستجدة) مع ترامب (المخضرم) فى هذه المبارزة الانتخابية، فيعنى «ضربة قاضية» موجهة لترامب، لا تقل فى قيمتها عن ضربته التى سبق أن ربح بها جولة مهمة فى الطريق إلى البيت الأبيض، وهى الضربة التى أسقطت غريمه جو بايدن الرئيس الأمريكى الحالى، فى المناظرة التى جرت بينهما نهاية شهر يونيو الماضى ونظمتها شبكة (CNN)، وكانت المناظرة الأولى فى تاريخ المناظرات الأمريكية التى تجمع بين رئيسين حالى وسابق، ومهدت الطريق لخروج إجبارى لبايدن من المنافسة، لتُستدعى هاريس للحلبة دون إعداد مسبق يليق بالمنصب وبالمنافس، لهذا فإن صمودها فى المواجهة الأولى بينهما يضاف إلى رصيدها الذى حققته منذ أن فكر الحزب الديمقراطى فى ترشيحها إنقاذاً للموقف، فلقد أنجزت الكثير خلال أسابيع قليلة، ليس بكفاءتها التى تبدو متواضعة ولا تؤهلها لقيادة العالم، ولكن بفضل الزخم الكبير الذى يحشده حزبها القوى وقادته البارزون، وكبار الداعمين الرافضين لعودة ترامب إلى البيت الأبيض.

ولعل الضربة القاضية الأكثر إيلاماً فى المناظرة الأمريكية التى بات العالم العربى حتى الصباح يتابعها بشغف محموم، هى الضربة التى سقطت على رأس «الشعوب السهارى»، فلقد اختلف المتنافسان فى كل شىء حتى القطط والكلاب، لكنهما اجتمعا على (محبة) إسرائيل، فلنا الله وللشعب الفلسطينى البطل كل السلام. أمامنا أربع سنوات أخرى من التيه فى الشرق الأوسط، لا نملك فيها إلا دعاء المستضعفين.