غزة المدمّرة تقاتل (2)

فى مواجهة الفلسطينيين، وقفت الثقافة العسكرية الإسرائيلية، عند حدود التطويق والاختراق المحسوب على الأرض، والقصف المفرط من الجو والبحر. ففى حرب 1948 كانت القوات الإسرائيلية تطوق القرى والبلدات الفلسطينية من ثلاث جهات، وتترك جهة رابعة للخروج والهروب، ثم تتوغّل ضاربة بشدة، وفق طريقة عُرفت بـ«حدوة الفرس»، محقّقة بها هدفها فى تهجير الفلسطينيين من قراهم.

وفى الضفة الغربية أقامت إسرائيل جداراً عازلاً عنصرياً، يؤدى دوراً دفاعياً من الناحية العسكرية، إذ يحرم أى مجموعات فلسطينية مقاتلة من تنفيذ هجمات مباغتة. أما المداهمات التى تقوم بها تجريدات عسكرية إسرائيلية بين حين وآخر للمدن والمخيمات والقرى، فقد كانت تتم بحذر، ووسط تأمين لتقدّم القوات، لمنع خسائرها أو تقليصها إلى أدنى حد، وكانت تقوم أحياناً بهدم بيت أو بيوت قليلة، لتسهيل تقدّمها، أو تأمين تمركزها.

أما فى غزة فقد عانت القوات الإسرائيلية من هجمات مباغتة لقواتها ومستوطناتها قبل أن تضطر إلى تفكيكها والانسحاب من القطاع نهائياً عام 2004. وركزت إسرائيل فى حروبها اللاحقة ضد غزة على القصف الجوى، أو التوغّل البرى الخاطف والمحسوب، وهو ما تغيّر فى الحرب الراهنة من خلال اجتياح برى كامل من عدة محاور، بعد قصف عنيف هدمت فيه أحياء سكنية بكاملها.

وكانت إسرائيل تريد من وراء هذا الهدم المنظم أن تُجبر السكان على النزوح، إما للتخلية بين قواتها وبين المقاومين، تحت الأرض أو فوقها، أو الدفع فى اتجاه تحقيق الهدف الأكبر المتوارى، وهو تهجير أهل القطاع بشكل تام، لتحويله كاملاً أو تحويل جزء كبير منه إلى مستوطنات مرة أخرى، إلى جانب تحقيق نصر عسكرى سريع باستخدام نظرية «الصدمة والرعب»، أو الانتقام من أهل غزة جميعاً، الذين نبتت بينهم المقاومة.

لكن هذا الهدم المنظم للمبانى، الذى لم يشهده العالم منذ الحرب العالمية الثانية، وجاء هذه المرة أشد وطأة نظراً لضيق المساحة الجغرافية لغزة، لم يلبث أن تحول إلى واحد من الأسباب المهمة لتبديد الأهداف الإسرائيلية برمتها، سواء فى التهجير أو القضاء المبرم على المقاومة، حسبما أعلنت إسرائيل فى اليوم الأول للحرب، أو على الأقل إثارة الفزع والغضب العارم بين السكان، بغية نزع الحاضنة الشعبية عن المقاومين.

فالأحياء السكنية المهدمة عززت الصورة المتوحشة للقوات الإسرائيلية، جنباً إلى جنب مع دم الأطفال والنساء والعجائز، وقصف المستشفيات والمدارس والمساجد والكنائس ومراكز الإيواء، وكل هذا نبّه العالم إلى مسألة تهجير الفلسطينيين. فى الوقت نفسه منحت المبانى المهدمة المقاومة فرصاً للحركة، التى تعتمد بالأساس على الفرد المقاتل، أو الراجل المسلح بسلاح خفيف، لمباغتة تجمعات القوات الإسرائيلية، لاسيما فى ظل إصرارها على التقدّم للوصول إلى ما تقول إنها بدايات الأنفاق.

فى الوقت نفسه، لم يحل هدم المنازل، الذى يشير تقرير للأمم المتحدة إلى أن إعادة بنائها قد يستغرق عقدين من الزمن على الأقل، دون إصرار السكان على البقاء فى أماكنهم، حتى لو نصبوا خياماً فوق أطلال بيوتهم، وحتى حين اضطروا إلى النزوح عنها، لم يلبثوا أن عادوا إليها حين سنحت لهم الفرصة لذلك. ووفّر وجودهم هذا حاضنة شعبية ودعماً لوجيستياً للمقاومة المنتظمة والمدرّبة، أو لمقاومين متطوعين انخرطوا فى القتال مع طول أمد الحرب.

لقد زاوجت المقاومة بين الاستفادة من تكتيكات «حرب المدن» و«سياسة الأرض المحروقة» التى صنعها الجيش الإسرائيلى نفسه، بهدم أحياء كاملة بغية الاستيلاء التام عليها، فحدث العكس تماماً. طوق الركام الإسرائيليين وجعل هجومهم يحتاج إلى المزيد من المقاتلين، وصار بالنسبة لهم أكبر شَرك خداعى.