صواريخ حزب الله.. ماذا تفعل بالداخل الإسرائيلي؟
بعد أن استهدف حزب الله قاعدة جولانى العسكرية للتدريب فى منطقة بنيامينا جنوب مدينة حيفا، التى أوقعت 4 قتلى وإصابة العشرات من الجنود، تكون الحرب على لبنان قد دخلت مرحلة جديدة من التصعيد، فلم تعد جبهة لبنان جبهة إسناد فقط، بل دخلت فى أتون الحرب المستعرة منذ أكثر من عام على قطاع غزة، وأصبحت فى قلب لبنان. تصور جيش الاحتلال أنه كسر هيبة حزب الله بعد العمليات النوعية التى قام بها ضد عناصر الحزب وحاضنته الشعبية حين فجّر أجهزة البيجر واللاسلكى واغتال قيادات الصف الأول والثانى فى الحزب، وبعدها اغتيال الأمين العام السيد حسن نصرالله، وترويجه بأنه قضى على ثلثى قوته العسكرية كما قال يوآف جالانت وزير الدفاع الإسرائيلى، غير أن ما يحدث على أرض الواقع يغاير هذه التقديرات، فلا تكاد رشقات صواريخ حزب الله يتوقف إطلاقها على شمال إسرائيل، من الجليل الأعلى والجنوبى وإصبع الجليل، وامتدت لتصل إلى قلب تل أبيب، وسكان الشمال لا يستطيعون الخروج من الملاجئ، بعكس ما أعلنه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو من أن الهجوم على لبنان يهدف إلى عودة سكان الشمال إلى بيوتهم، فضلاً عن إضعاف قوة حزب الله ودفعه للابتعاد عن الحدود الإسرائيلية - اللبنانية إلى ما وراء نهر الليطانى.
فبعد أن فشل «نتنياهو» فى تحقيق بنك الأهداف التى حددها فى حربه على قطاع غزة ودخول الحرب عامها الثانى، وحتى يهرب من استحقاقات هذه الحرب على أثر ضغوط المعارضة والداخل الإسرائيلى وحتى المجتمع الدولى من جدوى الاستمرار فى هذه الحرب، استطاع صرف الأنظار وتخفيض حدة المعارضة والتركيز نحو لبنان، ربما يكون «نتنياهو» نجح فى ذلك على المدى القريب، غير أن تطور سير العمليات فى جنوب لبنان بدأ يغير نظرة الانتشاء التى شعر بها بعد نجاحه فى اختراق الحزب وإرباك بنيته الداخلية مؤقتاً، «نتنياهو» بارع فى تصدير الأزمات وصب الزيت على النار كلما ازداد الحصار عليه، بدليل توجيه ضربات عشوائية فى الداخل اللبنانى سواء على البيئة الحاضنة لحزب الله أو الأطراف الأخرى التى لا علاقة لها بالحرب، فهو لا يملك تصوراً واضحاً لنهاية هذه الحرب، ولا يستطيع التخلى عن نشوة النصر الذى حققه فى الضربات الأولى المتتالية ضد الحزب، لذا يبدو أنه يغرق فى الوحل اللبنانى كما هو غارق فى وحل غزة، ولا يستطيع الخروج من كليهما، وكل ما يفعله الآن هو ضرب الأهداف المدنية وتصعيد سياسة القتل والدمار فى لبنان كما يفعل فى غزة. هى فاتورة ثقيلة سيدفعها لاحقاً هو وأعضاء حكومته اليمينية المتطرفة. رغم أنه يستند على قوة تحمل الجبهة الداخلية الإسرائيلية التى ارتضت قبول سياسة عض الأصابع فى سبيل توسيع جبهة القتال ضد إيران والقضاء على المقاومة فى لبنان وغزة حتى لو أدى الأمر للانتقال إلى حرب استنزاف.
لربما تشكل المواجهة الواسعة مع إيران مخرجاً من الورطة فى لبنان، تماماً كما شكلت المواجهة مع حزب الله مخرجاً لنتنياهو من ورطته فى غزة، غير أن هذا الاحتمال وبعكس الأول خطير للغاية لعدة اعتبارات، أولها أن إيران قد غادرت دائرة الصبر الاستراتيجى الذى التزمت به طوال العام الفائت، وثانيها أن القيادة الإيرانية باتت على يقين أن الاعتداءات الإسرائيلية والدعم الأمريكى اللامحدود لن يتوقفا عند إضعاف حركات المقاومة فى المنطقة، وسيصلا حتماً إلى تحجيم إيران نفسها وإرغامها على الانكماش والتراجع إقليمياً ودولياً، وثالثهما أن إيران تمتلك من القدرات العسكرية ما يفوق تصور خصومها، وقد أثبتت ذلك فى الضربة الصاروخية التى وجهتها وغطت كل الأراضى الإسرائيلية قبل أيام، وعلى ذلك فإن أى خطوة إسرائيلية غير مدروسة فى مواجهة إيران قد تؤدى إلى إغراق إسرائيل بشكل يومى بالصواريخ القادمة من إيران، فضلاً عن لبنان وغزة، ولعل التمهل الإسرائيلى فى الرد على تلك الضربة الخطيرة يعكس هذا القلق والتخوف من شن هجوم واسع قد لا يترك للقيادة الإيرانية أى خيار باستثناء رد مدمر ومضاعف.
فى كل الأحوال ما زال قرار نتنياهو بشأن لبنان غير واضح، حتى إنه من الصعب تفسير ما يجرى على الخط الأزرق بين لبنان وإسرائيل، وهو ليس غزواً ولا اجتياحاً ولا حرب استنزاف، بقدر ما هى عمليات تسلل محدودة وغير ناجحة فى غالب الأحيان، ولا يمكن بناءً على تلك القراءة الميدانية بناء أى تصور لما قد يحدث فى الأيام والأسابيع القادمة، إذ لربما تشكل العمليات الحالية نوعاً من الاختبار لجاهزية حزب الله، أو أنها مجرد عمليات استعراضية تبقى الجبهة ساخنة إلى حد ما، فيما يتولى الطيران الحربى الإسرائيلى تنفيذ جزء من المهام التى قد تكون متاحة له، لكن هذا سيواجه بضربات صاروخية وهجمات للمسيرات من جانب حزب الله الذى بدأ توسيع عملياته ليصل قلب تل أبيب، وفى تقديرات الجبهة الداخلية الإسرائيلية فإن مليونى مواطن باتوا مقيمين الآن فى الملاجئ بشكل شبه دائم، ما يعنى أن سيشهد شمال إسرائيل موجة نزوح مليونية نحو الجنوب، فضلاً عن الهجرة المعاكسة لأعداد منهم بالآلاف. ولربما استمرار هذا النزيف الداخلى سيعيد إلى الصدارة الأزمة الداخلية فى إسرائيل خاصة إذا ما عجز نتنياهو عن تحقيق أهدافه المعلنة بشكل واضح، ومن المؤكد أن استمرار المواجهة بوتيرتها الحالية أو بوتيرة أكثر حدة، لن يعطى نتنياهو مساحة من الوقت كتلك التى منحها لنفسه فى غزة، والسبب واضح، لأن قدرة حماس على إيذاء المواطن الإسرائيلى أقل كثيراً من قدرة حزب الله الذى يملك كل مقومات الصمود والهجوم، بالنظر إلى المساحة الجغرافية الواسعة لميدان المعركة، والمدد السخى من إيران وتمتعه ببيئة جماهيرية حاضنة غير مستعدة للانقلاب عليه، لذلك فإن أمام نتنياهو أسابيع أو أشهُراً محدودة لاختيار استراتيجية واضحة له، وهذا ما لا يمكن التنبؤ به أو بتوقيته الآن.