جيش إسرائيل.. دفاع أم عدوان؟ (3)
ظلت «تل أبيب» زمناً مؤمنة بفكرتها المركزية التى يحملها اصطلاح «إسرائيل الكبرى»، وكانت ترفع له شعار «دولة لليهود من النيل إلى الفرات». ويتواتر المصطلح فى الأدبيات الصهيونية مستتراً لدى المعتدلين، وظاهراً لدى المتطرفين، لكنه يبقى فى الحالتين غير محدد المعالم، ويرتبط بفضاء عام حول ما تسمى «أرض الميعاد».
ورغم أن هذا لا يرد على ألسنة المسئولين الرسميين، لكنه بقى عقوداً موجوداً ومتعمقاً فى «العقيدة العسكرية» للجيش الإسرائيلى، حتى إن جنوده لا يزالون يضعون على صدورهم شارة تحمل خريطة على هذا النحو.
وهنا يقول حامد ربيع: «إسرائيل دولة قائمة على مبدأ التوسع، إن هذا هو جوهر المفهوم الصهيونى للدولة، وهى لن تتخلى عنه لأنه محور بقائها».
ومثل هذا التصور، حتى لو كان خيالياً فى نظر كثيرين، وبحكم الواقع، فإنه ظل يتحكم فى جانب ليس بالهين من الغريزة الهجومية لإسرائيل، ويجعل التخلى عنها صعباً بل مستحيلاً.
وإذا كان اصطلاح «إسرائيل الكبرى» لم يعد مهماً فى الفكر الاستراتيجى الصهيونى بشكل عام، بعد أن أيقن واضعوه صعوبة تحقيقه فى ظل التفاوت فى القدرات السكانية بين إسرائيل والدول العربية التى تحيط بها، وتقع بين النيل والفرات، فقد استبدلته إسرائيل بالتغلغل الناعم فى هذه الدول للسيطرة عليها، أو التأثير فى قرارها، ضمن دورها الوظيفى فى خدمة المصالح الغربية.
وبذا تم تحويل «إسرائيل الكبرى» جغرافياً، إلى «إسرائيل العظمى» اقتصادياً. وفى هذا يتغير الهجوم من الطابع العسكرى، المعنى باحتلال الأرض، إلى الطابع الاقتصادى والثقافى، الذى يتم التعبير عنه فى صيغة التطبيع، وإبرام الاتفاقيات السياسية والاقتصادية، إلا إذا وجدت إسرائيل أن العودة إلى الطابع العسكرى مفيدة لها، لا تتوانى فى شن الهجوم بلا حد، وضد أى طرف، وفى أى جهة أو اتجاه، طالما أن هذا يحقق مصالحها، أو يكون مطلوباً لدى دوائر غربية تتعامل مع إسرائيل على أنها رأس حربة لمشروعها الاستعمارى، الذى كان ظاهراً وقاهراً ثم أصبح مستتراً ومتحايلاً، فى منطقة الشرق الأوسط.
وهناك سبب ثالث يتمثل فى التمسك بقاعدة «الحرب خارج الأرض» بغية الإبقاء على «حدود إسرائيل آمنة». فمنذ قيامها وإسرائيل تحرص على أن يكون القتال بعيداً عن الأرض التى أقامت عليها دولتها؛ لأنها تدرك أن هذه الأرض ضيقة، وأى تمكين لمحاربى إٍسرائيل بالوصول إليها يعنى إلحاق خسارة فادحة بها، قد تؤدى إلى انهيارها تماماً.
وتطبيق هذه القاعدة يعنى بالطبع الاستمرار فى الإغارة على الغير، أو مهاجمته فى أرضه، أو عقر داره، وجعل خطته محصورة فى عدم تمكين إسرائيل من احتلال أرض جديدة، أو تحرير أرض تم احتلالها بالفعل.
أما السبب الرابع فهو أن إسرائيل تتمسك طوال الوقت بآلية «الردع»، أى إصابة الجيوش التى تستهدفها بالخوف من شن حرب، والتصرف تحت ضغط، بما يحقق لإسرائيل أهدافها بالسياسة أو الدبلوماسية والتفاوض فى بعض الأحيان، بينما خصومها يعيشون تحت ضغط عصبى شديد لأنهم مردوعون. لكن هذا الردع يحتاج إلى شن هجمات بين حين وآخر، حتى لا يتقادم، أو يحسبه خصوم إسرائيل من قبيل التراجع أو التراخى.
والسؤال الذى يطرح نفسه فى هذا المقام: هل حدث تغير، ولو بدرجة ما، فى قدرة إسرائيل على الهجوم المتواصل؟ وهل بات على الجيش الإسرائيلى أن يمارس «الدفاع» مجبراً؟ وهل هذا يغير من وظيفته وطبيعته بما يحوله، ولو نسبياً، إلى «جيش الدفاع» فعلاً، وليس «جيش الحرب»؟
والإجابة هى: نعم. فإسرائيل، ومنذ أن وصلتها صواريخ الجيش العراقى خلال حرب الخليج عام 1991، أدركت أن عليها التفكير فى الدفاع أيضاً. نعم لم تكن هذه الصواريخ مؤثرة، حتى لو صاحبها هلع الشعب الإسرائيلى من أن تكون محملة برؤوس كيماوية حسبما هددت «بغداد»، لكن منذ ذلك الحين وإسرائيل باتت فى مرمى صواريخ العرب.
فنظرياً، امتلك الجيشان المصرى والسورى صواريخ قادرة على الوصول إلى كل مكان فى إسرائيل، لكن الأخيرة ظلت مطمئنة إلى آثار اتفاقية السلام مع مصر التى أُبرمت عام 1979، وإلى عدم وجود نوايا قوية لدى سوريا فى شن هجوم لاستعادة الجولان المحتلة.
وحتى الدول العربية الأخرى، التى امتلكت جيوشها صواريخ متوسطة وبعيدة المدى، لم يكن لدى «تل أبيب» أى قلق من احتمال إطلاقها على إسرائيل، فى ظل وجود ظروف مستمرة تحول دون ذلك.
لكن على المستوى العملى راحت المقاومة فى لبنان وغزة تعزز قدراتها الصاروخية تباعاً، بادئة بالكاتيوشا ذات المدى القصير جداً، والقدرة التدميرية المحدودة، حتى وصلت إلى امتلاك أنواع قادرة على الوصول إلى كل مكان فى إسرائيل، والنيل منه، بل امتلكت المقاومة طائرات مسيرة «درونز» ذات تقنيات متقدمة، بات بوسعها أن تجمع معلومات من داخل إسرائيل، وتعود، ثم تشارك فى هجمات على بعض أهداف عسكرية محددة.
(نكمل غداً)