هل نجح «ترامب» فيما فشل به «بايدن»؟

جيهان فوزى

جيهان فوزى

كاتب صحفي

انحسرت الكثير من الشكوك بشأن مستقبل اتفاق وقف إطلاق النار في غزة تحت وطأة حقائق جديدة وأكيدة مفادها أنّ الاتفاق المنشود أصبح جاهزا تماما للعرض على الحكومة الإسرائيلية أمس الثلاثاء، في الوقت الذي سلّمت فيه حماس عبر مبعوثها خليل الحية، ردها النهائي الإيجابي على مسودة الاتفاق، وتولت مصادر عديدة وأهمها «واشنطن بوست» نشر تفاصيل الاتفاق على النحو التالي: مرحلة أولى تستمر 42 يوما تحت اسم المرحلة الإنسانية، يليها مرحلة ثانية وأخيرة لمدة غير محددة تحت اسم المرحلة السياسية.

وسيكون على حماس في المرحلة الأولى أن توقف أي عمل عسكري ضد الجيش الإسرائيلي أو المستوطنات في غلاف غزة، كما سيكون عليها أن تفرج عن 33 محتجزا لديها، على أن تتنوع هذه القائمة بين حي وميت، وعلى أن تضم النساء وكبار السن من الرجال وخمسا من المجندات الإسرائيليات.

أما بالنسبة لإسرائيل فسيكون عليها في هذه المرحلة الانسحاب من وسط القطاع ومن نتساريم ومحور فيلادلفي باتجاه الشريط المتاخم للحدود بين غزة وإسرائيل، كما سيكون عليها الوقف الكامل لإطلاق النار ووقف تحليق طائرات الاستطلاع بدءا من اليوم السابع، ثم عليها تفكيك كل المنشآت التي أقامتها خاصة في محور نتساريم وشمال غزة.

أما بالنسبة للأسرى فقد تم الاتفاق على أن تطلق إسرائيل سراح 30 أسيرا فلسطينيا مقابل كل محتجز إسرائيلي سواء كان حيا أو ميتا، على أن تكون الأولوية للأطفال دون سن الثامنة عشرة، يليهم كبار السن والمرضى في سجون الاحتلال.

أما في المرحلة الثانية فمقابل إنهاء ملف المحتجزين ستطلق إسرائيل سراح عدد لم يحدد بعد من الأسرى الفلسطينيين، غير أنّ إسرائيل وافقت على أن تشمل قائمة الأسرى الفلسطينيين مئتي اسم من المحكومين بالمؤبد وذلك حسب الأقدمية في الاعتقال، وأشارت الـ«واشنطن بوست» إلى أنه بات من المحتمل أن تطلق إسرائيل سراح قادة بارزين في الفصائل الفلسطينية وفي مقدمتهم مروان البرغوثي أمين سر حركة فتح السابق في الضفة الغربية، وأحمد سعدات الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وأربعة من قادة حماس واثنان من قادة الجهاد الإسلامي.

أما بالنسبة للمساعدات فقد وافقت إسرائيل على أن يتم إدخال 600 شاحنة يوميا، على أن يكون نصفها مخصصا لمدينة غزة وشمالها، وبالنسبة لتنقل المواطنين فقد تم الاتفاق على أن المواطنين الراجلين لن يتم تفتيشهم وما زالت المفاوضات جارية بشأن السيارات والمركبات، وإذا ما كان هناك جهة دولية ما ستوافق على الحلول محل الإسرائيليين في نتساريم للتأكد من خلو المركبات المتنقلة بين الشمال والجنوب من الأسلحة، وهي نقطة ما زالت عالقة وأغلب الظن أنها ليست جوهرية إلى حد تعطيل ما تم الاتفاق عليه في البنود الأخرى.

ستكون المرحلة الثانية أكثر صعوبة وتعقيدا لأنها تتطلب انسحابا إسرائيليا كاملا من كل أراضي القطاع وإطلاق سراح متبادل للأسرى من الطرفين، وبدء خطة إعادة الإعمار التي تم الاتفاق على أن تنتهي في موعد أقربه ثلاث سنوات وأبعده خمس سنوات، وفي هذه المرحلة سيتم الحديث في التفاصيل المتعلقة بإعادة تشكيل النظام السياسي الفلسطيني، بما في ذلك الانتخابات الرئاسية والبرلمانية وتشكيل حكومة واحدة تبسط سيطرتها على غزة والضفة معاز

وهناك بالطبع اختلافات جوهرية في مطالب الطرفين بخصوص المرحلة الثانية خاصة ما يتعلق بتعويق حماس عن إعادة بناء بنيتها العسكرية، واستمرار تهديد أمن المواطنين الإسرائيليين في غلاف غزة والمدن الساحلية القريبة، فيما يقابل هذا الهاجس الإسرائيلي هاجس لدى حماس متعلق بضرورة رفع الحصار كليا عن غزة ووقف الانتهاكات الإسرائيلية بحق المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، فضلا عن لجم النشاط الاستيطاني النهم في الضفة الغربية.

ومن المؤكد أنّ الوسطاء ما زالوا حتى اليوم غير قادرين على بناء تصور شامل لما سيكون الوضع عليه في المرحلة الثانية من الاتفاق، لكن الوسيط القطري يبدو متفائلا بأنّ إدارة ترامب، على عكس ما كان يتوقعه البعض، تبدى موقفا حازما تجاه نتنياهو، وفي هذا الصدد أعلنت مصادر إسرائيلية موثوقة أنّ مبعوث ترامب التقى نتنياهو صباح السبت الفائت وأبلغه بلهجة لا تقبل التأويل أن تهديد ترامب يشمل كل أطراف الأزمة وإسرائيل من بينها، وأنّ العواقب ستكون وخيمة إذا حاول نتنياهو تعطيل الاتفاق، وأشارت تلك المصادر إلى أنّ نتنياهو قد اجتمع مع سموترتش وبن غفير يوم الأحد الماضي، ونقل لهما تهديد المبعوث الأمريكي وأبلغهما أنّه ما عاد باستطاعته مقاومة ضغط ترامب عليه.

ومن المتوقع أن تحظى مسودة الاتفاق بقبول 28 من أعضاء المجلس الوزاري ومعارضة 6 فقط، وهذا ما سيعطي نتنياهو هامشا واسعا من القدرة على تنفيذ الاتفاق والحفاظ على ائتلافه الحكومي من الانهيار.

أما بالنسبة لحماس فإنّ الاتفاق سيلاقي ترحيبا كبيرا من الشارع الفلسطيني ومن القوى السياسية الفلسطينية، لأن النتيجة النهائية تشير إلى أنّ ما قدمته حماس من تنازلات عن المحددات الرئيسية للاتفاق، كان متواضعا للغاية، في الوقت الذي نجحت فيه بامتصاص الضربات الإسرائيلية ومنعت نتنياهو من تحقيق أي من الأهداف التي أعلنها بشأن هذه الحرب، لكن هذا لا يعني أن الساحة الفلسطينية لن تشهد مراجعة سياسية وفكرية شاملة واشتباكا بين الآراء والتوجهات بشأن ما حصل في غزة بدءا من يوم السابع من أكتوبر 2023.