استمرت ستين عاما كاملة.. أطول أكاذيب الإخوان!

أحمد رفعت

أحمد رفعت

كاتب صحفي

مع السامعين.. ونحن صغار كنا نسمع عن «حادث المنشية»، وكيف التصق به تماما لفظ أو وصف «التمثيلية»!! حتى بات المصطلح الدارج عند عموم المصريين هو «تمثيلية المنشية» أو «حادث المنشية المدبر»، حتى تفنّن الكثيرون في تنغيم الجملة على مزاجهم، وبالطريقة الشعبية اللطيفة «حادث المنشية اللي هو على فكرة تمثيلية» و«محاولة الاغتيال الفشنك لعبدالناصر في المنشية»..! أغلب هؤلاء «المتفننين» ليسوا إخوانا!! صحيح بعضهم تعاطف بحكم حملة «المظلومية» الهائلة الكاذبة التي شنّوها حتى أصبح «الإخواني» الذي تتعامل معه مرادفا لـ«التعذيب» في السجون، فمن تتعامل معه إما عذّب سابقا أو هو مشروع سجين «متعذب» لاحقا!!

السؤال: كيف فعلوا ذلك؟ وكيف أقنعوا الناس بأكاذيبهم وتلفيقاتهم وإفكهم وبهتانهم وزورهم؟! نبدأ القصة:

المذكرات والحوارات والمعلومات المنقولة عن قادة ثورة يوليو تؤكد أنّهم فاتحوا القوى السياسية قبل الثورة للاشتراك فيها.. ورفضوا جميعا من الإخوان إلى «الوفد».. خوفا من الإنجليز ومن القصر.. السفارة والسراي.. ولكن بعد الثورة التي استطاعت بذكاء شديد السيطرة على الأمور والتخلص من الملك بطرده خارج البلاد في ظرف أيام ثلاثة لا أكثر، أصبحت الثورة عندئذ مطمعا من الجميع.. ضباط شبان لا خبرة لديهم ولا يوجد تنظيم شعبي خلفهم.. يكون التفاهم معهم صعبا، لكن السيطرة عليهم ممكنة.. تبدأ شروط التعاون من الجماعة بالسعي لفرض الإرادة.. التي تعرفها مصر كلها الآن من عدد من الوزارات إلى موافقة الجماعة على أي قرار للثورة إلخ إلخ.. رفض الأحرار طبعا.. وسعوا لتشكيل تنظيمهم الشعبي، وسمي وقتها «هيئة التحرير»، وكان الاسم موفقا، فلم يزل المحتل موجودا في البلاد! ومع هذا التنظيم الوليد لم تتوقف اعتداءات الإخوان على أعضائه وعلى مؤتمراته وعلى النشاط الطلابي له في الجامعات.. ولما حسمت هذه الأمور بكل صرامة، وأصبحت الأحوال تسير كما يريدها الأحرار أبناء الجيش العظيم، ولما فشلت محاولات اختراق الثورة من خلال بعض قادتها، والتعاون مع الإخوان، كان لا مفر ولا حل إلا بالتخلص من قائد الثورة.. وبعدها يتم الانقضاض على البلاد كلها!

كاتب هذه السطور وأثناء مطالعة جريدة «الأهالي» أواخر التسعينيات، شد انتباهه حوار مع كاتب النيابة فى قضية المنشية وكان لا يزال على قيد الحياة.. والذي التقاه محررها وأدلى الرجل بشهادته، وقال عن كل المتهمين، وأولهم محمود عبداللطيف، المتهم الأول الذى أطلق الرصاص على ناصر، وأدلوا بكامل اعترافاتهم، وكان الرجل يُسجل خلفهم بلا أي ترهيب أو تعذيب!

لم يسمح الحوار بتغيير النغمة الشعبية عن الحادث.. حتى إن الكثيرين من محبي ناصر يحبونه ويعتقدون أن الحادث مدبر.. ولم تسمح أيضا كتب مهمة مثل «عبدالناصر والإخوان المسلمون» للكاتب الكبير الراحل عبدالله إمام وغيره وغيره، فمهما بلغ توزيع هذه الكتب لم تُحدث تيارا عاما، خاصة أن السلطة نفسها في مصر لم تكن في حالة صراع حقيقي مع الجماعة، بل ومع بعض كتابها، فيتردد كلام الإخوان نفسه من أنيس منصور إلى ثروت أباظة وغيرهما..

وتمر الأيام وتصل الجماعة المجرمة إلى السلطة.. ويظنون.. وليس الظن كله إثما.. أن الدنيا قد دانت لهم بالكامل.. وأن نهاية التاريخ في مصر قد حلت.. وأن الجماعة باقية في حكم مصر إلى الأبد.. فتوالت الاعترافات بتدبير حادث المنشية.. هي اليوم -يومئذ يعني- بطولة في مواجهة الحاكم وليست جريمة.. ولسان الحال يقول: «أيوه احنا.. اللي مش عاجبه يورينا هيعمل إيه»!

وفعلها الشعب المصري.. وعمل وعمل.. وأطاح بالجماعة من حكم البلاد.. وانكشفت كذبة كبيرة. استمرت ستين عاما بالتمام والكمال..

لا نحكي حواديت.. إنما هي عبر.. لمن يعتبر.. وسنعتبر!