«زهرة» الفلسطينية تضيء عتمة الزنزانة بـ«نور الكتابة»: لن أنسى أنفاس الكلب البوليسي على يدي
«زهرة» الفلسطينية تضيء عتمة الزنزانة بـ«نور الكتابة»: لن أنسى أنفاس الكلب البوليسي على يدي
«حتى وأنا جوه الزنزانة، كنت بافكر فى الرواية القادمة، كنت باهرب بالخيال لأكتب، وأحمى نفسى بالكلمات»، هكذا وصفت الكاتبة والأسيرة الفلسطينية المحررة «زهرة خدرج» لحظة التحول التى عاشتها خلف القضبان، حيث قررت أن توثق تجربتها الشخصية فى رواية اختارت لها عنواناً صادماً وشاعرياً فى آن واحد «حين تدثر الياسمين سواداً».
لم تعرف «زهرة»، الروائية والناشطة الفلسطينية من مدينة «قلقيلية»، تجربة الأسر داخل سجون الاحتلال الإسرائيلى من قبل، رغم انخراطها لسنوات فى الدفاع عن قضايا الأسرى، تحدثت لـ«الوطن» قائلة: «كنت أكتب عنهم دائماً، ولم يغب عن ذهنى أى تفاصيل مما يعانونه، لكن أن تعيش التجربة شىء مختلف كلياً، أن ترى بعينك، أن تُسجن أنفاسك، أن تفقد وزنك وصحتك وحريتك، هذه أشياء لا تُوصف».
تتذكر «زهرة» يوم اعتقالها فى يناير 2024، وفى الثالثة فجراً، اقتحم الاحتلال منزل أسرتها، واعتقلها الجنود بكل قسوة، وسط صراخ العائلة، وفوضى التكسير: «قيّدوا يدىّ وقدمىّ، وعصبوا عينىّ، ووضعونى فى عربة عسكرية، كان الجو ممطراً وبارداً، وكنت أرتجف من الخوف والبرد»، توقفت الكاتبة الفلسطينية عن الكلام قليلاً، قبل أن تستكمل بقولها: «لن أنسى أنفاس الكلب البوليسى على يدى، كنت معصوبة العينين، وصرخت من الرعب، فقط حينها أبعده الضابط».
لم تكن تلك الليلة سوى بداية لعام كامل من التنكيل، فقدت خلاله «زهرة» 25 كيلوجراماً من وزنها، وازدادت حدة أمراضها المزمنة كالسكرى والروماتيزم، وظهرت عليها أمراض جديدة، مثل الانزلاق الغضروفى، وعرق النسا، دون أدنى رعاية طبية، فى ظروف وصفتها بـ«مقبرة للأحياء»، كما تحدثت عن مشاعر الحزن التى كانت تسيطر عليها فى كل ليلة، عندما تتذكر أبناءها: «خرجت لأجد ابنى عبدالرحمن وقد شق شاربه، لم أصدق أنه كبر كل هذا وأنا بعيدة عنه، لم أعرف نتيجة ابنتى فى الثانوية العامة، وفوجئت باستشهاد عدد كبير من الأهل والأصدقاء خلال الحرب على غزة».
لكن وسط كل هذا الظلام، خرج الضوء من ركام العدوان، فبعد التحرر، تلقت «زهرة» خبراً لم تكن تتوقعه: روايتها «فارس الحرية والمنفى»، التى كانت قد أنهتها منتصف عام 2023، نُشرت أخيراً فى معرض القاهرة الدولى للكتاب، الرواية تحكى قصة الأسير حمزة يونس، الذى فر من سجون الاحتلال ثلاث مرات، وكأنها تقول: «من هنا، من المعرض.. هنا غزة»، وفوجئت «زهرة»، التى كانت تخجل من السؤال عن مصير روايتها وسط الدماء والدمار، بعد سريان الهدنة، بمكالمة هاتفية من صاحب دار النشر تُبشرها بأن الرواية وُلدت من جديد، رغم أنف الحرب، رغم أنف القهر، واختتمت حديثها بكلماتها التى تمثل خلاصة تجربتها: «نحن كنا نعيش فى قبر، ولا فرق بيننا وبين الموتى إلا أننا سنُبعث من جديد بأمر الله».