لماذا يُلطخ أهالي الصعيد جدران المنازل بالعدس في شم النسيم؟.. موروث شعبي قديم
لماذا يُلطخ أهالي الصعيد جدران المنازل بالعدس في شم النسيم؟.. موروث شعبي قديم
كتبت - أمنية سعيد
مع إطلالة شهر أبريل، تدق ساعة الربيع معلنة عن قدوم نسماتها الدافئة على الضفة الجنوبية لنهر النيل، وتطرق أبواب أهالي صعيد مصر لتخرج معها عادات وتقاليد عريقة للاحتفال بقدوم هذا الموسم الجديد، وكما غنى الراحل فريد الأطرش «ادى الربيع عاد من تاني والبدر هلت أنواره» تستقبل القرى والنجوع بدرًا أضاء سماءها.
ما هو خميس العدس؟
في منتصف شهر أبريل تحديدًا، يبدأ أهالي الصعيد، مسلمين ومسيحيين على حد سواء، في الاستعداد لاستقبال احتفالات شم النسيم، وتستهل هذه المراسم بتقليد مميز يعرف باسم «خميس العدس» فقبل هذا اليوم بأيام، يبدأ الرجال في تحضير كميات وفيرة من العدس، ومع صباح يوم الخميس، تنشغل السيدات في إعداد العدس الأصفر الشهي ليصبح الوجبة الرئيسية في هذا اليوم، وتنتشر رائحة العدس الزكية في أرجاء النجع، لتعبق في كل بيت، ولا يقتصر الأمر على تناول العدس فحسب، بل يتبع ذلك تقليد فريد يتمثل في تلطيخ جدران الحوش ببقايا العدس، اعتقادًا منهم أن ذلك سيجذب الذباب لتناولها في هذا اليوم، وبالتالي حماية المنازل من إزعاجه طوال بقية أيام السنة، بحسب كتاب «الفاطميون (تاريخهم وآثارهم في مصر)» للكاتبة أميرة الشيخ رضا فرحات.
وبحسب «كتاب المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار» للمقريزي، يعمل خميس العهد قبل الفصح بثلاثة أيام، وسُنّتهم فيه أن يملؤوا إناء من ماء، ويزمزمون عليه، ثم يغسل للتبرك به أرجل سائر النصارى، ويزعمون أن المسيح فعل هذا بتلامذته في مثل هذا اليوم كي يعلمهم التواضع، ثم أخذ عليهم العهد أن لا يتفرقوا، وأن يتواضع بعضهم لبعض، وعوام أهل مصر في وقتنا يقولون: خميس العدس، من أجل أن النصارى تطبخ فيه العدس المصفى. ويقول أهل الشام خميس الأرز وخميس البيض. ويقول أهل الأندلس: خميس أبريل وأبريل اسم شهر من شهورهم. وكان في الدولة الفاطمية تضرب في خميس العدس هذا خمسمائة دينار، فتعمل خراريب تفرق في أهل الدولة برسوم مفردة، وأدركنا خميس العدس هذا في القاهرة ومصر وأعمالها من جملة المواسم العظيمة، فيباع في أسواق القاهرة من البيض المصبوغ عدة ألوان ما يتجاوز حد الكثرة، فيقامر به العبيد والصبيان والغوغاء، وينتدب لذلك من جهة المحتسب من يردعهم في بعض الأحيان، ويهادي النصارى بعضهم بعضًا، ويهدون إلى المسلمين أنواع السمك المنوع مع العدس المصفى والبيض.

جمعة المفروكة
ووفقًا للمقريزي: فإنّ سبت النور وهو قبل الفصح بيوم ويزعمون أن النور يظهر على قبر المسيح في هذا اليوم بكنيسة القيامة من القدس، فتشعل مصابيح الكنيسة كلها، وكان بمصر هذا اليوم من جملة المواسم ويكون ثالث يوم من خميس العدس، ومن توابعه.
وعلى النقيض من تسمية جمعة الآلام بالحزينة في بعض المناطق، كان يوم الجمعة في تقاليد الصعيد يحمل اسم «البيضاء» أو «السعيدة»، كما ارتبط باسم طعام شهي خاص يُعد في هذا اليوم وهو «المفروكة»، كما يطلق على هذا اليوم «جمعة المفروكة» وهي الجمعة التي تسبق سبت النور، وكانت هذه الحلوى اللذيذة تُصنع من العجين المخلوط بالسكر والزيت، وكان الجميع يستمتع بمذاقها الفريد، خاصة عندما كانت تُعجن باستخدام السمن البلدي الأصيل الذي يضفي عليها نكهة مميزة.