عماد فؤاد يكتب: العالم أمام مفترق طرق
عماد فؤاد يكتب: العالم أمام مفترق طرق
رفع الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، خلال حملته الانتخابية قبل ولايته الأولى شعار «أمريكا أولاً»، ولم تسعفه الأربع سنوات (رغم هيمنة الشعار على السياسة الخارجية الأمريكية) لتحويله إلى خطوات عملية على أرض الواقع.
وقبل تنصيبه وعد دونالد ترامب بأنه سيوقع عددا من المراسيم الرئاسية فور أدائه اليمين الدستورية، وفى مقابلة هاتفية مع شبكة «إن بى سى نيوز»، قال إنّه لا يملك رقماً دقيقاً فى ذهنه، لكنه يتوقع أن يوقع عدداً «قياسياً»، وعندما سألته صحفية فى شبكة «إن بى سى نيوز»: «أكثر من مئة؟»، أجاب: «فى هذه الحدود على الأقل».
ومع الولاية الثانية لـ«ترامب» يبدو العالم مُجبراً على التعامل مع استراتيجية أمريكية تُعيد تعريف الأولويات بعيداً عن النهج التقليدى الذي حكم العلاقات الدولية منذ أواخر النصف الأول من القرن الماضي.
وعقب أدائه اليمين الدستورية استهل خطابه قائلاً: «عصر الولايات المتحدة الذهبى يبدأ الآن»، وبدأ الرئيس السابع والأربعين للولايات المتحدة التحرك «بسرعة وقوة غير مسبوقة»، ووقع قراراته المثيرة للجدل، ومن أبرزها تسمية خليج المكسيك بـ«خليج أمريكا»، واستعادة قناة بنما ووضعها تحت سيطرة الولايات المتحدة.
لم يعد «أمريكا أولاً» مجرد شعار انتخابي، بل تحوَّل إلى دليل عملى لإدارة العلاقات مع الحلفاء والخصوم على حد سواء، وأصبح السؤال الأكثر إلحاحاً: هل يُسرِّع الرئيس الأمريكي من تفكيك النظام الليبرالي العالمي، أم تستطيع القوى الدولية الأخرى ابتكار نظام بديل يُحافظ على مصالحها في ظل غياب القيادة الأمريكية التقليدية؟
عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية، هيمنت أمريكا على النظام العالمي، سواء عبر الهيكل الاقتصادى (صندوق النقد الدولي، البنك الدولي)، أو الأمني (حلف الناتو)، أو الدبلوماسي (الأمم المتحدة)، وبدأ «ترامب» كسر هذه القواعد بعنف، بالانسحاب من الاتفاقيات الدولية، مثل اتفاقية باريس للمناخ، والاتفاق النووي الإيراني، وكذلك الانسحاب من منظمة الصحة العالمية.
وقفز «ترامب» إلى مربع تحدى الحلفاء الرئيسيين لبلاده، وطالب دول حلف الناتو بزيادة الإنفاق العسكري، وهدد بالانسحاب حال عدم الاستجابة، وفرض الرسوم الجمركية على الاتحاد الأوروبي وكندا، وهدد بوقف تمويل الأمم المتحدة، بعد أن وصفها بـ«نادٍ للمتحدثين».
هذه الخطوات التى يخطوها أكبر رئيس أمريكي سنا يدخل إلى البيت الأبيض، بعمر الـ78 عاما، حوَّلت الولايات المتحدة من «شرطي العالم» إلى لاعب ينقلب على نظامه الخاص، ليفرز فراغاً استراتيجياً يستدعى القوى الأخرى مثل الصين وروسيا لملئه.
أثار ترامب، خلال ولايته الأولى، هواجس دول الاتحاد الأوروبي، التى أيقنت أن الاعتماد على الحماية الأمريكية لم يعد خياراً آمناً، وعليه بدأت البحث عما يمكن وصفه بـ«الاستقلال الاستراتيجي».
ومع الولاية الثانية تسارع أوروبا بخطوات غير مسبوقة لهذا الاستقلال، وخرجت المبادرة الفرنسية الألمانية بضرورة إنشاء «جيش أوروبي مشترك» لتعزيز القدرات العسكرية الأوروبية بعيدا عن حلف الناتو الذى تقوده وتسيطر على تحركاته الولايات المتحدة الأمريكية.
وردا على انسحاب أمريكا من اتفاقية المناخ، اتجهت أوروبا لتعزيز الاقتصاد الأخضر، من خلال خطة «الصفقة الخضراء» لتحقيق الحياد الكربوني بحلول 2050، وبدأت الدعوات الجادة لإنشاء نظام دفع أوروبي مستقل، لتقليل الاعتماد على الدولار، وتجنب العقوبات الأمريكية التي يمكن أن يفرضها ترامب حال عدم انصياع القارة العجوز لأوامره.
توقعات مراكز البحث والدراسات لمستقبل النظام العالمي تشير إلى عدة سيناريوهات محتملة، من بينها الانهيار الكامل للنظام الليبرالي، مع تصاعد القومية الاقتصادية، وانهيار مؤسسات مهمة مثل منظمة التجارة العالمية، أو ظهور نظام عالمي هجين، تحافظ فيه كل من الصين وأمريكا على مناطق نفوذ منفصلة، مع تعاون محدود فى بعض القضايا كقضية المناخ على سبيل المثال، أو بدء الصحوة الأوروبية لإعادة إحياء النظام العالمي متعدد الأقطاب، بدعم من دول مثل اليابان وكندا.
ويبقى السيناريو الأسوأ، وفقاً لتحليل مركز «كارنيجى للسلام الدولى»، وهو تحوُّل العالم إلى «غابة متعددة الأقطاب»، حيث تتصارع القوى الإقليمية على مناطق النفوذ دون قواعد مشتركة.
سياسات «ترامب» فى ولايته الثانية تبدو كالصدمات الكهربائية للنظام العالمى، لكنها كشفت عن هشاشة القواعد القديمة، ومعها أكدت أهمية قيام القوى الكبرى والناشئة إلى إعادة تعريف مصالحها، بعيداً عن الوصاية الأمريكية.
العالم الآن أمام مفترق الطرق، والسير في أي اتجاه يقتضى دفع الثمن، ولهذا ستظل الإجابة عن سؤال «ما الثمن الذي سيدفعه العالم في الطريق؟» في علم الغيب ومؤجلة إلى حين.