د. محمود خليل يكتب: ليسوا صناع مقادير
د. محمود خليل يكتب: ليسوا صناع مقادير
من الطبيعى جداً أن يكون القلم سر الحياة، وأن يرد ذكره فى أولى الآيات المحكمات التى أنزلت على النبى: «اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِى عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ»، وأن يكون «القلم» عنواناً لسورة كاملة من سور القرآن الكريم: «سورة القلم»، وقد كان من اللافت أن تجد النبى، صلى الله عليه وسلم، يقول: «إنّ أول ما خلق الله تعالى القلم».
القلم هو سر التفاعل بين المجتمعات وسر التواصل بين الأجيال، وقد منحه الله تعالى هذه القيمة، لأنه يُعد الأداة الأهم لإصلاح الحياة البشرية. فما يسطره القلم من علم أو فكر أو أخبار عن الحاضر يُعد الوسيلة الأهم للوعى بالواقع، والأخطر ما يسطره على مستوى الماضى، بما يحمله من استخلاصات وعِبَر وقوانين وسُنن إذا استوعبها الإنسان عاش حياة أفضل وواقعاً أكثر رشاداً، بغضّ النظر عن الموقع الذى يشغله هذا الإنسان فى سجل الحياة. المشكلة دائماً تظهر حين يمر الإنسان مرور الكرام على ما سطرته الأقلام حول أحوال الأمم السابقة دون أن يستوعبها ويتعلم منها ما يطور سلوكه ويحسّن أداءه.
فى هذا السياق تجد واحداً من أبرز مؤرخى التراث، مثل «ابن الأثير» ينبّه إلى أهمية مراجعة ما سطرته الأقلام لمعرفة أحوال الماضى وأهله وأجياله والتعلم والاستفادة منها، وتجده يقول فى مقدمة كتابه «الكامل فى التاريخ» إن «أهل الأمر والنهى إذا وقفوا على ما فيها -يقصد أحداث الماضى- من سيرة أهل الجور والعدوان ورأوها مدوّنة فى الكتب يتناقلها الناس، فيرويها خلف عن سلف، ونظروا إلى ما أعقبت من سوء الذكر، وقبيح الأحدوثة، وخراب البلاد، وهلاك العباد، وذهاب الأموال، وفساد الأحوال، استقبحوها، وأعرضوا عنها واطَّرحوها، وإذا رأوا سيرة الولاة العادلين وحسنها، وما يتبعهم من الذكر الجميل بعد ذهابهم، وأنّ بلادهم وممالكهم عمرت، وأموالهم درّت، استحسنوا ذلك ورغبوا فيه، وثابروا عليه وتركوا ما يُنافيه، هذا سوى ما يحصل لهم من معرفة الآراء الصائبة التى دفعوا بها مضرات الأعداء، وخلصوا بها من المهالك، واستصانوا نفائس المدن وعظيم الممالك، ولو لم يكن فيها غير هذا لكفى به فخراً».
على من بيدهم أمور الناس أن يستوعبوا أنهم ليسوا صناع مقادير، بل أدوات سخرها الله تعالى لخدمة عباده، ولا بد أن يحسنوا خدمتهم ويبتعدوا عن ظلمهم أو الانتقاص من حقوقهم، وأن يتأملوا ما حاق بمن فعل ذلك من أهل الجور والعدوان بين الأجيال التى سبقتهم، وأن يتفهموا أن أعتى العتاة من الساعين فوق الأرض تحول إلى كائن ضعيف مهزوم أمام خطوات الزمن، حين عدت عليه الأيام فأمرضته وضعضعت قوته، ثم أتاه الموت بعدها، فاقتنصه من الحياة، فخرج منها وكأنه لم يمر عليها أو يعيش فوق ظهر الدنيا.
إن ما تخطه الأقلام من سطور وما تختزنه من أفكار يُعد الزاد الذى يجب أن يتزود به أصحاب الأمر والنهى حتى يفهم من يظنون أنهم يمتلكون مصائر البشر أن ناصيتهم وغيرهم بيد الله وحده.