عمار علي حسن يكتب: عملية تجميل (2)
عمار علي حسن يكتب: عملية تجميل (2)
تبدو بطلة رواية «عملية تجميل» للكاتبة زينب عفيفي أشبه بـ«أمثولة» كاشفة لمشاعر امرأة حيال إغراءات خارجية تدفعها إلى استعادة شبابها، وأخرى داخلية تهمس لها بأن هذا مجرد أكذوبة وخداع للنفس، وأن الإنسان عليه أن يعيش الحياة بشتى مراحلها، وأن الجمال والسكينة والسعادة تختلف من مرحلة إلى أخرى، وليس على الإنسان سوى إدراك هذا، وقبوله راضيا.
وما يجعل النداء الداخلي ينتصر، في البداية، هو أمران: الأول يتمثل في العوار الاجتماعي الكبير الذي سببته حقنة أكسير الشباب لسكان المدينة، فتعطل الفتيان ومد الشيوخ بقاءهم في الوظائف، فانفجر المجتمع يغلي ويحتج، ولم يكتف من عادوا شبابا بعد عجز بالاحتفاظ بأعمالهم، بل صدَّق بعضهم نفسه، وفكر في أن يتزوج فتاة صغيرة متنكرا لزوجته التي كافحت معه حتى شاخت.
على التوازي فكرت النساء المستعيدات شبابهن في الارتباط بصغار السن، ما أثر سلبا على فرص الفتيات الحقيقيات في الزواج. أما الأمر الثاني فيأتي في ركاب زهد «شريهان» في الرجال بعض أن خذلها الرجل الوحيد الذي عشقته وهي في ريعان الصبا.
لكن هذه البطلة تتداعى إرادتها أمام طبيب التجميل «ماهر عوض» حين اختارها لتصمم ديكور عيادته الفخيمة، لاسيما أن طريقته لم تكن مؤلمة مثل البوتكس أو الفيلر أو استعمال الخيوط بل هي «حقنة إكسير الحياة»، والأهم منها هي طريقته في إقناع زبائنه حيث النعومة الغارقة في التحايل والإغراء، والتي تبلغ حدا بعيدا في البراعة لدرجة أن وقعت «شريهان» في حبائله، حين زارت عيادته إثر امتلاء وجهها ببقع حمراء بفعل قرصة ناموسة، وامتلاء نفسها بالفضول لتعرف ماهية هذه المادة التي سحرت المدينة، ثم وجدت نفسها مأسورة بود الطيبب ولطفه، فأعجبت به وأحبته، ثم وجدت نفسها تلين إزاء منطقه حول تجريب العودة إلى الشباب، إن كان هذا يحقق السعادة.
يتغير الواقع حول «شريهان» ويحاصرها، فيتلاشى جدار الخارج الذي كانت تحتمى بعد، لاسيما بعد أن قرر حاكم المدينة نفسه أن يعود شابا، ودفعه هذا إلى تجديد معمارها لتواكب ما آل إليه جسده، فهدم أبنية قديمة وآثارا عريقة، ووسع الشوارع الضيقة، مع تنادى من استعادوا الشباب لتغيير تواريخ ميلاده.
وتلاشى الجدار الداخلي بقصة حب جديدة لـ«شريهان» تعمقت إثر اعتراف الطبيب لها بأنه ليس سعيدا في حياته الزوجية، والأكثر هو وقوع ابن أختها «طارق» في حب صديقتها المذيعة «صفية»، التي تماثلها في العمر، رافضا الارتباط بابنتها «فريدة»، لأن الأم في نظره تتمتع بنضوح وحكمة وخبرة في الحياة لا تحوزها ابنتها، إلى جانب الشباب الذى استعادته، حتى لو كان صناعيا.
لكن الكاتبة تعيد إلى بطلتها بعضا من إرادتها حين ترفض الارتباط بالطبيب، غير مقتنعة بالمبررات التي ساقها إليها كى تتزوج به، رغم التطور الكبير والجارح الذي طرأ على حياتها حين قرر «طارق» السفر بعيدا عنها وهي التي كانت قد اكتفت بوجوده في حياتها، وكانت له أما وأبا، وحين وجدت المنساقين وراء صرعة التجميل قد بلغوا البناية التي تقطنها بعد أن كانت تراهم فى الشارع.
تنحو الرواية منحى فانتازيا عبر فكرة متخيلة، لكنها لا تغرق في هذا الاتجاه إنما تقيم توازنا بينه وبين الواقع حين تزاوج بين خطين للحكاية، الأول يتعلق بالسياق العام الذي يحيط بالأبطال حيث المشكلات الاجتماعية، والتحولات السياسية، والتدابير الإدارية، التي تتفاعل معها الطبقة الوسطى وهي تصارع من أجل الاحتفاظ بحياة لائقة.
والثاني يرتبط بالصراع الذي يستعر داخل نفس البطلة، صانعا حكاية موازية يمكنها وحدها أن تصلح فكرة لرواية حول سيدة فاتها قطار الزواج، وتتقلب بين ضعف وقوة، وسخط ورضاء، وإقدام وإحجام، واستكانة وتمرد.