محمد مصطفى أبوشامة يكتب: أفكار جديدة تطارد النور
محمد مصطفى أبوشامة يكتب: أفكار جديدة تطارد النور
تحت شعار البحث عن (أفكار جديدة) فى صندوق قديم، لا تزال غزة تترجَّى الأمل لوقف الحرب وإنفاذ المساعدات الإنسانية إلى داخل القطاع، أمل يتأرجح فى كل مرة تتعالى فيها أصوات الوعود باقتراب الوصول إلى اتفاق لـ«الهدنة»، الكلمة التى أفرغتها إسرائيل من قيمتها لكثرة تكرارها طوال 18 شهراً بلا كلل على ألسنة الإعلاميين والمحللين والساسة والقادة، فأمست كلمةً بلا قيمة، كأنها مخدر فقد تأثيره على مريض يحتضر محكوم عليه أن يتعاطى أحاديث الهدنة كل يوم؛ ليتوهم كل المحيطين به أن مخدره (الوهمى) قد خفف عنه وطأة الألم، بينما هو يتجرع اليأس صامتاً فى عزةٍ وصمود.
وما زالت الوفود تتواتر إلى القاهرة والدوحة من الجانبين (مبعوثى نتنياهو وممثلى حماس)، منذ الأول من مارس الماضى، ثم بعد أن عادت إسرائيل لجرائم القتل وإبادة المدنيين من شعب فلسطين فى الثامن عشر من الشهر ذاته، ممزقة صفحات اتفاق الهدنة التاريخى، الذى جرى تفعيله فى 19 يناير الماضى؛ ليعود من جديد الماراثون التفاوضى بين الاحتلال وحركة المقاومة بوساطة مصرية - قطرية، والساعية لإيقاف عَجَلة أبشع حروب التاريخ الحديث، التى راح ضحيتها أكثر من خمسين ألف فلسطينى، أغلبهم من الأطفال والنساء والشيوخ، أضيف إليهم 1600 شهيد جديد خلال الشهر الأخير.
لم تقوَ تلك الهدنة (اتفاق يناير) على الصمود إلا فى مرحلتها الأولى، التى أسفرت عن إفراج «حماس» عن بعض ممن تحتجزهم من رهائن إسرائيليين، فيما سمح الاحتلال بدخول مشروط للمساعدات الإنسانية والإفراج عن مئات الأسرى الفلسطينيين، ثم تعقَّدت الأمور بدعاوى وذرائع متعددة، وأدخلنا «نتنياهو» فى (تيه تفاوضى) أشبه بمنحنيات لعبة «ميكى جيب» الشهيرة التى تصل بك دائماً إلى طريق مسدود، تلك اللعبة التى يجبر (بى بى) خصومه على دخولها، وهى أيضاً ملمح راسخ فى أى مفاوضات تكون بلاده طرفاً فيها منذ تأسيسها سنة 1948، يساعده هذه المرة على فرض كامل شروطه، التفوق الكبير الذى حققه عسكرياً على كافة الجبهات، والدعم المطلق الذى يحظى به من الإدارة الأمريكية الحالية فى ولاية ترامب الثانية.
تتحدث الأفكار الجديدة عن أعداد مختلفة للرهائن الإسرائيليين الذين تلتزم «حماس» بالإفراج عنهم، لكن العرض الأخير من الحركة حمل تصوراً بالإفراج عن الكل مقابل وقف الحرب أو هدنة لسنوات قيل خمساً ووصلت إلى سبع فى أحد السيناريوهات المطروحة، بالإضافة إلى أحاديث أخرى عن دور «حماس» فى مستقبل القطاع، وجدل لا ينتهى حول تخلِّى الحركة عن إدارة القطاع ونزع سلاحها.
وتظل كل الأفكار فى سياق التحليلات الإعلامية، التى لم ترتقِ حتى اليوم إلى فعل سياسى حقيقى. كما أن ما يجرى على الأرض فى غزة من عمليات عسكرية يقوم بها جيش الاحتلال أحكم بها سيطرته على 30% من مساحة القطاع، يتنافى تماماً مع أى تصور محتمل للتهدئة أو الهدنة أو وقف الحرب، خاصة إذا تم وضعها إلى جانب التصريحات الأخيرة لأعضاء من الحكومة الإسرائيلية المتطرفة من تصعيد ووعيد ضد «حماس» والشعب الفلسطينى.
فقد شهد اجتماع المجلس الوزارى المصغر (الكابينت) أجواء متوترة، بحسب وسائل إعلام إسرائيلية، حيث تصاعدت الخلافات حول مستقبل العملية العسكرية فى غزة، وضغط «سموتريتش»، وزير المالية، من أجل احتلال كامل للقطاع، بينما حاول نتنياهو إقناعه بالاستمرار فى المفاوضات من أجل الإفراج عن الرهائن، وشهدت الجلسة تلاسناً حاداً، خاصة عندما تمت مناقشة دور الجيش فى توزيع المساعدات الإنسانية.
فى أبريل 2024، نشرت مقالاً على صفحات «الوطن» بعنوان: مطاردة «بصيص» النور، قارنت فيه الحديث عن مطاردة الأمل الضعيف للتوصل إلى اتفاق هدنة فى غزة، وبين عملية جراحية أجريتها لعلاج انفصال الشبكية فى عينى اليمنى، كدت أتراجع عنها لولا أن أقنعنى صديقى طبيبى العيون بعَظَمة مطاردة «بصيص» النور، تذكرت لحظتها كل الساعين وراء الأمل الضعيف فى إيقاف الحرب وإنفاذ المساعدات الإنسانية للشعب الفلسطينى المسكين، الذى يترجى الحدود الدنيا من حياة، وقلبه ينبض بلا حول ولا قوة إلا بالله.
يومها، قبل عام بالتمام، ختمت مقالى قائلاً: الحمد لله الذى أتم علىَّ فضله، وأعاد لى بعضاً من «بصيص النور» الغالى الذى كنت أجهل قيمته فى هذه العين اليمنى إلى أن فقدته، فأدركت أن العيش من دونه يساوى الموت.
ولا أجد ختاماً أجمل من قول منسوب إلى سيدنا على بن أبى طالب، كرَّم الله وجهه، يتسق مع مغزى الكلام: «أنا رجل أحيا بالأمل، إن تحقق فبفضل الله، وإن لم يتحقق فقد عشت به زمناً».