نهال كمال: الأبنودي لم يكن شاعر سلطة أو معارضة.. وكلماته عبرت عن ضمير الشعب

كتب: ياسر الشيمي

نهال كمال: الأبنودي لم يكن شاعر سلطة أو معارضة.. وكلماته عبرت عن ضمير الشعب

نهال كمال: الأبنودي لم يكن شاعر سلطة أو معارضة.. وكلماته عبرت عن ضمير الشعب

أجرى الحوار: ياسر الشيمي

الشاعر بطبعه لا يخضع للأطر الجاهزة، بل يتجاوز المألوف دائماً، وينظر إلى المستقبل بعين تختلف عن الآخرين، و«عبدالرحمن» كان نموذجاً نادراً لهذا النوع من الشعراء، إذا كتب مثلاً قبل ثلاثين عاماً وأكثر، تبدو قصائده اليوم وكأنها كُتبت فى هذا العصر، لفرط صدقها وعمق رؤيتها. كان يستشرف ما هو آتٍ، لا بعين المتنبئ، بل بحس الشاعر المرهف، الذى يسبق اللحظة ويخترق الزمن، لم يلجأ يوماً إلى المباشرة أو التكرار الإنشائى، وابتعد عن الكليشيهات التى تفرغ الكلام من صدقه. وكان يؤمن بأن الشاعر إذا خان شعره مرة، فإنه يخونه إلى الأبد، لذا امتلك شجاعة نادرة فى التعبير عن آرائه، حتى وإن تعرض للهجوم، وإن شعر لاحقاً بأنه أخطأ فى تقدير موقف ما، لم يتردد فى أن يكتب قصيدة جديدة، لا ليغير رأيه، بل ليعبر عن تطور رؤيته.

■ كيف حافظ الأبنودى على موقعه المتوازن بين السلطة والمعارضة، مكتفياً بالانحياز إلى نبض الوطن والناس؟

- كان يؤمن دائماً بأن على الشاعر أن يقف فى صف الناس، وأن يعبر عن آمالهم وآلامهم، وأن يكون صوت من لا صوت له، كان يرى أن دوره الحقيقى أن يكون ضمير الشعب، لا بوقاً للسلطة ولا تابعاً للمعارضة، وكان يؤكد باستمرار أنه مستقل، لا ينتمى لأى جهة سوى ضميره ومحبته لهذا الوطن.

■ أكانت الوطنية لديه مجرد شعار.. أم تجربة حقيقية نابعة من رؤيته للوطن ككائن حى يتغير؟

- الوطنية بالنسبة له كانت تجربة حقيقية فى المقام الأول، لا شعاراً يُرفع، إذ يؤمن دائماً بأن «حيث تكون مصر، أكون أنا»، أى إنه كان ينخرط بكل جوارحه فى كل مشروع وطنى يرى فيه مستقبل البلاد، حين بدأ العمل فى مشروع السد العالى، سافر إلى أسوان وعاش بين العمال، ومن هذه المعايشة خرج ديوانه الشهير «جوابات حراجى القط»، الذى استلهمه من نبض الحياة اليومية هناك، وأصبح علامة فارقة تربى عليه جيل كامل، خصوصاً فى صعيد مصر.

حين نستمع إلى قصائده نشعر وكأن الوطن يسير متكئاً على عكازين

■ أكان يرى أن دور الشاعر هو أن يُسمع الناس أنين الوطن لا أن يعلو بأصواتهم؟

- كان يجمع بين الأمرين معاً: أنين الوطن وصوته المرتفع، فالأنين هو الإدراك العميق بأوجاع الوطن، والشاعر، فى نظره، لا يكتفى برصد الألم، بل يحوله إلى كلمات تنبض بالصدق، لتصل إلى الناس وتسمع، فالشعر لديه لم يكن صدى للأنين فحسب، بل كان صرخة ووعياً يترجم وجع الوطن إلى صوت لا يمكن تجاهله.

■ استقبل الجمهور «أنا كل ما أقول التوبة» بوصفها أغنية حب، بينما كان «الأبنودى» يمرر من خلالها حساً وطنياً خفياً يتسلل إلى الوجدان.. هل كان عمداً منه أم أن الوطنية عنده كانت تلقائية لا تخضع لتخطيط؟

- جميع أعمال «الأبنودى»، ولا سيما الأغانى، كانت تحمل بين سطورها وطنية خفية تتسلل إلى الوجدان دون ضجيج، حتى أغانيه التى تبدو عاطفية أو تتناول الأم، لم تكن تخلو من حب الوطن، فقد كان دائماً يدمج بين العاطفة الشخصية والعاطفة الوطنية، فى توازن دقيق يجعل من أغنياته مساحات يشعر فيها المستمع بحب الإنسان وحب الأرض فى آن واحد، لم تكن الوطنية عنده منفصلة، بل كانت جزءاً من نَفَسه الشعرى، حاضرة دوماً، وإن لم يعلنها صراحة.

الوطنية تسللت إلى أشعاره بصدق لا يحتاج إلى إعلان صريح.. واختار وطنه قبل كل شىء

■ ثمة لحظات نادرة تتحول فيها القصيدة إلى وجدان شعب بأكمله.. متى شعرتِ أن سطراً من «عبدالرحمن» خرج من حدود الورق ووقف فى وجه الناس جميعاً؟

- لا يمكن لأحد أن ينسى أغنية «عدى النهار»، فقد كان عبدالرحمن الأبنودى أول من واجه الهزيمة بالاعتراف عقب نكسة 1967 مباشرة، لم يختبئ خلف الشعارات، بل عبّر بشجاعة عن أن ما جرى كان خسارة جولة فى معركة طويلة، وأن الانتصار قادم لا محالة، وهو ما تحقق لاحقاً فى نصر أكتوبر العظيم. فى هذه القصيدة أكد أن مصر لم تُهزم، بل دعا إلى الاعتراف بالخطأ كخطوة أولى نحو النصر، كان ذلك نابعاً من إيمانه العميق بمصر وشعبها، فقد ظل دائماً يراهن على وعى الناس، وقدرتهم على تجاوز المحن مهما عظمت.

■ كتب عن الفلاح الذى لم يرَ النيل إلا فى الراديو فجعل الوطن ينبض فى تفاصيل البسطاء.. كيف فكّك صورة «الوطن الكبير» وأعاد تشكيلها من الحكايات الصغيرة؟

- رأى الأبنودى الوطن فى الناس، لا فى الشعارات، فى «الدايرة المقطوعة» وسواها، أعاد بناء الوطن من وجوه الفلاحين، وعرق العمّال، وخطوات الأطفال، لم يكن يكتب من أعلى، بل من قلب المعايشة، فصارت قصائده مرآة لوطن حقيقى لا متخيل، ولهذا لُقّب عن جدارة بـ«شاعر الناس».

شجاعة «الأبنودى» فى التعبير

الشاعر بطبعه لا يخضع للأطر الجاهزة، بل يتجاوز المألوف دائماً، وينظر إلى المستقبل بعين تختلف عن الآخرين، و«عبدالرحمن» كان نموذجاً نادراً لهذا النوع من الشعراء، إذا كتب مثلاً قبل ثلاثين عاماً وأكثر، تبدو قصائده اليوم وكأنها كُتبت فى هذا العصر، لفرط صدقها وعمق رؤيتها. كان يستشرف ما هو آتٍ، لا بعين المتنبئ، بل بحس الشاعر المرهف، الذى يسبق اللحظة ويخترق الزمن، لم يلجأ يوماً إلى المباشرة أو التكرار الإنشائى، وابتعد عن الكليشيهات التى تفرغ الكلام من صدقه. وكان يؤمن بأن الشاعر إذا خان شعره مرة، فإنه يخونه إلى الأبد، لذا امتلك شجاعة نادرة فى التعبير عن آرائه، حتى وإن تعرض للهجوم، وإن شعر لاحقاً بأنه أخطأ فى تقدير موقف ما، لم يتردد فى أن يكتب قصيدة جديدة، لا ليغير رأيه، بل ليعبر عن تطور رؤيته.


مواضيع متعلقة