«على ورق رسمي».. كيف تنتشر المستندات المزورة كالنار في الهشيم؟

كتب: كريم روماني

«على ورق رسمي».. كيف تنتشر المستندات المزورة كالنار في الهشيم؟

«على ورق رسمي».. كيف تنتشر المستندات المزورة كالنار في الهشيم؟

كتب – كريم روماني:

مُستند يحمل توقيعا رسميا لمسؤول كبير في الدولة، انتشر بسرعة البرق، لم يكن الأول من نوعه، تسبب في تشتت انتباه شريحة عريضة من أولياء الأمور، كونه يخص التعليم، فلم تتخيل داليا الحزاوي، مؤسسة ائتلاف أولياء أمور مصر، وإحدى أولياء الأمور، أن تتلقى بين الحين والآخر مُستندا يحمل توقيعا رسميا من كبار المسؤولين في الدولة، ينص على قرار مصيري مُتعلق بمستقبل أبنائها وأبناء غالبية أولياء الأمور عبر «الجروب» الذي أنشأته خصيصا للتعاون بين أولياء الأمور وتداول المعلومة الصحيحة والرسمية، مزورا وغير صحيح، رغم وجود توقيع المختص حتى ولو كان وزيرا وبـ«ختم» وزارته.

واقعة لمستند بتوقيع الوزير

في الأيام القليلة الماضية، تلقى أولياء الأمور ومنهم «داليا» مستندا يحمل توقيعا رسميا من محمد عبداللطيف، وزير التربية والتعليم والتعليم الفني، يقتضي بموجبه عودة اللغة الأجنبية الثانية كالفرنسية والألمانية والإيطالية والإسبانية للتعليم العام الثانوي اعتبارا من العام المقبل كمادة مُضافة للمجموع.

ذلك الأمر، رد عليه شادي زلطة، المتحدث الرسمي لوزارة التربية والتعليم والتعليم الفني، مؤكدا أنّ القرار المتداول بشأن عودة مادة اللغة الأجنبية الثانية كمادة أساسية بالمدارس غير صحيح، مطالبا أولياء الأمور في بيان رسمي صُدر يوم 28 ديسمبر الماضي، بعدم الانسياق وراء الشائعات المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي: «المنشور المتداول بشأن عودة اللغة الأجنبية الثانية مزيف ولم تصدر أي قرارات جديدة بشأن اللغة الثانية، وجميع القرارات والآليات كما هي دون تغيير، تحروا الدقة فيما يتم نشره من معلومات غير دقيقة أو منشورات مفبركة تستهدف إثارة البلبلة».

في 14 من شهر أغسطس الماضي، عُقد مؤتمر صحفي بمقر مجلس الوزراء في العاصمة الإدارية الجديدة، كشف خلاله محمد عبداللطيف وزير التربية والتعليم والتعليم الفني، عن نظام جديد للثانوية العامة، مُتضمنا عدم حذف أي مواد لكن هناك مواد ستكون «داخل المجموع وأخرى خارجه»، مثل مادة اللغة الأجنبية الثانية التي لن تُحتسب ضمن المجموع.

ما بين المستند «المزور» والبيانات الرسمية، ترى «الحزاوي» في حديثها لـ«الوطن»، أنّ العديد من أولياء الأمور يقعون فريسة لبعض «الجروبات» أو المواقع غير المهنية التي تنشر معلومات وأخبار مُضللة وغير صحيحة، ما يتسبب في نشر البلبلة والتوتر بين أولياء الأمور، مؤكدة أن عدم تقديم المعلومة بشكل واضح وسهل الفهم، أو عدم وجود خطة واضحة المعالم للعام الدراسي، يُعد من العوامل التي تساهم في هذه المشكلة.

رسالة مُهمة تحرص داليا الحزاوي على تعزيزها من «الائتلاف»، مفاداها تقديم المعلومات الصحيحة والموثوقة لأولياء الأمور من خلال الاعتماد على المصادر الرسمية فقط كما يحاول تصحيح المعلومات المغلوطة، ونشر التوعية بأهمية التحقق من المعلومات حتى لا يساهموا في نشر المعلومات المضللة ويكونوا سببا في توتر الغير، مُشيدة بدور المركز الإعلامي لمجلس الوزراء في تصحيح الشائعات وتوضيح الحقائق بشكل سريع وفعال.

الشق القانوني

التزوير من الناحية القانونية هو تغيير الحقيقة في مُحرر بإحدى الطرق، سواء بوضع إمضاءات أو أختام مزورة أو تغيير المحررات أو الأختام أو الإمضاءات أو زيادة كلمات أو وضع أسماء أو صور أشخاص آخرين مزورة أو بالتقليد أو بالاصطناع أو تغيير إقرار أولي الشأن الذي كان الغرض من تحرير السندات إدراجه بها أو جعل واقعة مزورة في صورة واقعة صحيحة، حسب شرح محمد ميزار المحامي بالنقض.

وحول عقوبة تزوير المستندات خاصة التي يتم تزويرها باستخدام التقنيات الرقمية الحديثة والبرامج المتنوعة، أكد «ميزار»، أنّ العقوبة تتنوع بين الحبس والغرامة بقيمة لا تقل عن 10 آلاف جنيه ولا تتجاوز 100 ألف جنيه أو بإحدى العقوبتين لكل مَن:

- زوّر محررا إلكترونيا بطريق الاصطناع أو التعديل أو التحوير أو بأي طريق آخر.

- استعمل محررا إلكترونيا مزورا مع علمه بذلك، وفي حالة العود تزاد العقوبة بمقدار المثل المقرر.

وتضمن قانون العقوبات رقم 58 لسنة 1937 عقوبة التزوير فى المحرر الرسمي في مواده 211 و212 و213، وبلغت العقوبة السجن المشدد في بعض حالات التزوير، حسب ما رواه المحامي بالنقض، ونص القانون على عقوبة التزوير في الأوراق الرسمية في المادة 211 من قانون العقوبات: «كل صاحب وظيفة عمومية ارتكب في أثناء تأدية وظيفته تزويرًا في أحكام صادرة أو تقارير أو محاضر أو وثائق أو سجلات أو دفاتر أو غيرها من السندات والأوراق الأميرية سواء كان ذلك بوضع إمضاءات أو أختام مزورة، أو بتغيير المحررات أو الأختام ، أو الإمضاءات، أو بزيادة كلمات أو بوضع أسماء، أو صور أشخاص آخرين مزورة، يعاقب بالسجن المشدد أو السجن».

وأشارت المادة 212 من قانون العقوبات إلى أنّ كل شخص ليس من أرباب الوظائف العمومية ارتكب تزويرا مما هو مبين في المادة السابقة يُعاقب بالسجن المشدد أو بالسجن مدة أكثرها عشر سنوات، كما نصت المادة 213 من قانون العقوبات، على أن يعاقب أيضا بالسجن المشدد أو بالسجن كل موظف في مصلحة عمومية أو محكمة بقصد التزوير موضوع السندات أو أحوالها حال تحريرها المختص بوظيفته، سواء كان ذلك بتغيير إقرار أولي الشأن وكان الغرض من تحرير تلك السندات إدراجه بها أو بجعله واقعة مزورة في صورة واقعة صحيحة مع علمه بتزويرها أو بجعله واقعة غير معترف بها في صورة واقعة معترف بها.

وتصدى المُشرع للجريمة بقانوني تقنية المعلومات لسنة 2018 والقانون رقم 15 لسنة 2004، إذ نصت المادة الأولى فقرة «ب» من القانون رقم 15 لعام 2004 على أنّ المحرر الإلكتروني هو كل رسالة تتضمن معلومات تنشأ أو تدمج، أو تخزن، أو ترسل أو تستقبل كليا أو جزئيا بوسيلة إلكترونية أو رقمية أو ضوئية أو بأية وسيلة أخرى مشابهة، ونصت المادة 23 – مع عدم الإخلال بأية عقوبة أشد منصوص عليها في قانون العقوبات أو في أي قانون آخر، يُعاقب بالحبس وبغرامة لا تقل عن 10 آلاف جنيه ولا تجاوز 100 ألف جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من زوّر محررا إلكترونيا أو استعمل محررا إلكترونيا مزورا مع علمه بذلك.

للمستندات المزورة وانتشارها بسرعة «البرق» على السوشيال ميديا خاصة من اللجان الإلكترونية تأثير كبير على الرأي العام، ذلك الأمر الذي وضحته الدكتورة نسرين حسام الدين، أستاذ الإعلام بجامعة بني سويف، كاشفه عن أكثر الأوقات التي تنتشر فيها هذه النوعية من الجرائم.

تقول «نسرين»: «المستندات المزورة تؤثر سلبا على الرأي العام.. وعادة ما تنتشر في أوقات الأزمات.. ففي الوقت الحالي حدودنا مشتعلة ونعاني كمثل باقي الدول من الأزمات الاقتصادية.. فكل هذه الأمور بيئة خصبة لنشر تلك المستندات».

تأثير تزوير المستندات على الرأي العام

وفسّرت «نسرين» رغبة نشر المستندات بأنّها تستهدف تأجيج وتهييج الرأي العام، مسترشدة بنموذج مستند عليه «ختم» وزارة المالية الذي حثّ المعلمين على ضرورة صرف المرتبات على يومين وليس مرة واحدة، وفي حقيقة الأمر لا توجد أي معلومات رسمية بهذا الأمر، موضحة أنّ المستندات في مثل هذه الأوقات خاصة مع تحريك أسعار البنزين تستهدف تهييج الرأي العام.

د. نسرين

روشتة مُهمة للتعامل مع هذه المستندات إعلاميا، وضعتها الدكتورة نسرين حسام الدين، أولها التركيز على توعية الجمهور من خلال الوصول إليه بكل المنصات التي يستخدمها ويتابعها ثم تعزيز التربية الإعلامية في المدارس وتعليم الطلاب مبادئ التحقق من كل ما يتم تداوله قبل تصديقه ومشاركته، وأيضا استغلال الفواصل الإعلانية للمسلسلات والأفلام في كشف حقيقة كل ما يتم تداوله على السوشيال ميديا.

كريمة كمال، وكيلة كلية الإعلام بجامعة قنا، أكدت أنّه في ظل الرقمنة والتحول الرقمي أصبح لجريمة التزوير أشكالا مختلفة، إذ انتشرت في الآونة الأخيرة مستندات تهدف إلى دعم الأخبار المزورة وإثارة الشائعات بصورة ممنهجة ودعم الشائعات بصور من المستندات المنسوبة إلى جهات رسمية لإعطاء المصداقية لتلك الأخبار المغلوطة وذلك باستخدام التقنيات والبرامج الحديثة وتقنيات الذكاء الاصطناعي.

May be an image of 1 person and dais

وشددت «كريمة» في حديثها لـ«الوطن»، على ضرورة استمرار برامج التوعية للمواطنين للحد من انتشار المستندات المزورة عبر مواقع التواصل الاجتماعي من خلال الجهات الرسمية والجهات المسؤولة عن إصدار المستندات، لبيان ما إن كان المستند صحيح أم مزور، وكذلك محاربة الشائعات بصدور بيانات مباشرة بأنّ هذه المستندات المزورة المنسوبة للجهات الرسمية غير صحيحة وغير تابعة لها.

جهود وزارة الداخلية

لم تترك وزارة الداخلية كل هذه الأمور تمر مرور الكرام، فوفق اللواء دكتور عبدالوهاب الراعي، أستاذ الإدارة الاستراتيجية بجامعة الدلتا والأكاديميات العسكرية والخبير الأمني، أكد أنّ الوزارة تولي اهتماما متزايدا بتحديث وتطوير فاعليتها المعلوماتية والإدارية والتكنولوجية والفنية والتدريبية لمواجهة جرائم تزوير المستندات بأنواعها، ومنها قطاعات الأموال العامة والجريمة المنظمة والأمن العام وتكنولوجيا المعلومات والأمن الوطني.

اللواء عبدالوهاب الراعي

وقال لـ«الوطن»، إنّ هذه الجهود تأتي في ظل سياسة الدولة الهادفة إلى تعزيز مبادئ الحوكمة، ومن الإجراءات الاستراتيجية إنشاء مجمع الوثائق المؤمنة بالعاصمة الإدارية الجديدة، الذي يُعد نقلة نوعية تاريخية في صحة وثبوتية المستندات الرسمية، ما يعكس حالة من التنمية المستدامة الفاعلة، وهناك أمثلة عملية إحصائية معلنة من الجهات المختصة على ضبط جرائم تزوير مستندات رسمية فى إطار جهود متميزة للرقابة الإدارية ووزارة الداخلية.