د/ محمود خليل يكتب: «جوهرة التاج» في الإسلام

كتب: أحمد فكري

د/ محمود خليل يكتب: «جوهرة التاج» في الإسلام

د/ محمود خليل يكتب: «جوهرة التاج» في الإسلام

لا تكاد تخلو سورة من سور القرآن من آية كريمة تتعلق بالمعاملات، فتحدد الأخلاقيات وتضع الحدود التى يتوجب أن تحكم التعامل فى موضوع أو مجال أو قضية أو ساحة معينة من ساحات الحياة، ويبدو هذا الأمر طبيعياً إذا أخذنا فى الاعتبار أن «المعاملات» تعد ركناً ركيناً من أركان الإسلام، بل تمثل القاعدة الأساسية التى يستند إليها الدين. فالغاية الكبرى من الإسلام تتمثل فى الارتقاء بأسلوب التعامل بين البشر والقيم التى تحكمه، فى هذا السياق تستطيع أن تفهم قول القائل: «الدين المعاملة».

«الدين المعاملة» قول ينسبه البعض إلى حضرة النبى صلى الله عليه وسلم، فى حين ينفى البعض أن يكون حديثاً، ويشير إلى أنه قول مأثور أو مثل من الأمثال التى يؤمن بها المجموع. ويظل هذا القول صحيحاً ومعبراً عن جوهر الدين الإسلامى، بغض النظر عن كونه حديثاً أو مثلاً.

فكثرة عدد الآيات التى تناولت المعاملات وبيّنت أبعادها وحدودها وأخلاقياتها بالتفصيل تشهد على جوهريتها داخل رسالة الإسلام. فالقرآن الكريم تعامل بالإجمال مع بعض الأمور، وتعامل بالتفصيل مع غيرها، على سبيل المثال، أمرنا الله تعالى بإقامة الصلاة، لكن القرآن لم يحدد تفاصيلها (عددها وركعاتها أو هيئتها) بل تعلمنا ذلك من النبى صلى الله عليه وسلم، فى حين تناول القرآن الكريم العديد من موضوعات «المعاملة» بالتفصيل والكثير من التوضيح.
اهتمام القرآن الكريم بعرض التفاصيل المختلفة للمعاملات يدلل على أنها تمثل أمراً جللاً شديد الخطورة والأهمية وعظيم الدلالة فى عقيدة الإسلام وحال المؤمنين بها.

والتأكيد المستمر على القيم الأخلاقية كأساس للمعاملات الإسلامية يمنحك دليلاً جديداً على النطر إلى المعاملات كغاية كبرى من غايات الدين، فالدفاع عن الأخلاق وتعميقها فى نفس المسلم يجعلها واحدة من الوسائل التى تفضى إلى الغاية الكبرى (حسن المعاملة)، وقد لا أبالغ إذا قلت إن العبادات التى فرضها الله تعالى على المسلمين تصب فى هذا الاتجاه أيضاً، فغاية العبادات تتمثل فى تحسين الأخلاق والوصول بالإنسان إلى «التقوى»، تلك الكلمة التى تمثل ذروة الأخلاق فى الإسلام.

فالصلاة فى الإسلام هدفها الارتقاء بالأخلاق: «اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ».. والهدف من الصيام تربية المسلم على التقوى «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ».. والصدقة تطهير وتزكية للمؤمن: «خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ». وتمثل التقوى الزاد الذى يحمله معه المؤمن فى رحلة الحج والنتاج العظيم الذى يخرج به منها: «وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِى الْأَلْبَابِ».

المعاملات تمثل جوهرة التاج فى الإسلام، وهى الأمر الجلل فى القرآن الكريم، الذى تقود إليه حسن العبادة والأخلاق الحسنة.


مواضيع متعلقة