رفعت رشاد يكتب: لماذا لا يموت «عبدالناصر»؟
رفعت رشاد يكتب: لماذا لا يموت «عبدالناصر»؟
لماذا خرج التسريب الذى تضمن حديثاً بين الزعيم جمال عبدالناصر والعقيد معمر القذافى فى هذا الوقت بالذات بعد 55 عاماً من وفاة «ناصر»؟ لماذا يعيش رجل مات منذ 55 سنة حتى الآن ويظل محل الجدل العربى والمصرى، رغم أن هذا لم يحدث مع لينين أو ماو أو تيتو أو نهرو أو غيرهم من الزعماء الذين أسهموا فى تغيير التاريخ؟.
لا نعرف القصد من تسريب حديث عبدالناصر الآن، لكن المؤكد أن هذا التسريب يتيح فرصة أخرى لظالمى «عبدالناصر» لأن يعيدوا التفكير فى الرجل وفى الظروف التى أحاطت به وتكالب الخارج والداخل عليه.
لم يكن جمال عبدالناصر مجرد رئيس لدولة أو زعيم لدولة الوحدة العربية الوحيدة فى الزمن المعاصر، بالجمهورية العربية المتحدة، ولا كان مجرد قائد صعد من بين صفوف الضباط الأحرار ليهز عروش الاستعمار ويزلزل قلوب الرجعية.
بل كان الحلم العربى المتمثل فى رجل طال انتظار العرب له. الزعيم الذى توحد حوله العرب لأول مرة منذ قرون، والذى كلما أُغلقت أمامه أبواب السياسة، فتح بوابات التاريخ.
تضمنت المحادثة بين «ناصر والقذافى» نبرة مختلفة من ذلك الصوت الهادر الذى اعتاده الناس. نبرة أقرب إلى الحكمة المتأخرة، والخذلان، والرغبة فى السلام، والضجر من العبث العربى المتكرر.
بدا «عبدالناصر» فيها إنساناً مجروحاً أكثر منه زعيماً قاطعاً، مُنهكاً من الحروب التى يدفع ثمنها البسطاء، بينما يتآمر الأشقاء ويهتفون فى العلن بما يضمرون نقيضه فى السر.
نبرة أظهرت سر اختفاء هدير عبدالناصر فى خطبه ومخاطباته، واختفاء ابتسامته التى لم تعد أبداً حتى وورى التراب.
لماذا يُنشر هذا التسجيل، الذى يعود إلى ما قبل وفاته، بعد مرور 55 عاماً على رحيله؟ لماذا لا يزال «عبدالناصر» رغم الغياب الطويل، موضع جدل وحنين ونقمة، يحيا فى ضمير الأمة، فى حين تلاشت أسماء كبرى لقادة عالميين كانوا فى زمنه من العمالقة فى العالم؟
الجواب يكمن فى تركيبة الزعيم نفسه، وفى الوجدان الجمعى للعرب. «عبدالناصر» لم يكن مجرد نظام، بل كان أملاً مشتعلاً.
حمل فى صوته رغبة الملايين فى الكرامة، وفى أحلام الوحدة، فى زمن كانت الأمة فيه مستباحة، مجزأة، يتلاعب بها المستعمر وتشتتها الطوائف، ومن رحم هذه اللحظة التاريخية ولد الرجل كإجابة حاسمة عن سؤال الهوية، فهو ليس فقط زعيماً قومياً، بل حالة شعورية عابرة للحدود.
حين كان «عبدالناصر» يتكلم، كانت العروبة نفسها تتكلم. حين قرر تأميم قناة السويس، لم يكن يخوض حرباً اقتصادية، بل كان يصحح مسار تاريخ مختطف، وحين وقف فى 1967 يعلن الهزيمة ويتحمل المسئولية، ثم يرفض الشعب استقالته، كانت تلك لحظة نادرة فى علاقة القادة بالجماهير، لم تتكرر فى التاريخ العربى أو الإنسانى الحديث.
أما التسريب، فربما يحمل رسالة معاكسة لما يبدو. فبدل أن يشوه صورة الرجل، يعيد تقديمه للناس من زاوية أخرى: الإنسان المنهك من خذلان العرب للعرب، الرافض للدخول فى حروب عبثية دون غاية أو حساب، فربما كانت تلك المحادثة آخر لحظات الصدق الموجع، إذ رأى الزعيم العروبى الكبير أحلامه تتبدد بين أقدام الصغار من الحكام والخيانات من الأشقاء، وسياسات قصيرة النفس، وعقول أسيرة للمصالح الضيقة.
لكن الأهم من كل هذا، أن الزمن فشل فى اغتيال رمزيته. فعبدالناصر لا يزال مادة سجال بين مؤيد ومُعادٍ، بين من يراه باعث الكرامة، ومن يحمّله أوزار النكسة. وهذا ما يميّز الكبار، إنهم لا ينتهون بموتهم، بل يتحولون إلى علامات استفهام حية فى العقل الجمعى.
لم يُطرح تسريب مشابه عن ماو، ولا تُذكر وصايا لينين إلا فى كتب الأيديولوجيا، أما «عبدالناصر»، فيخرج من كل ركن ومكان كأنه عائد من رحلة قصيرة، ليحدثنا عن الخذلان والرجاء والسلام، بعد نصف قرن من موته.
وهذا فى ذاته تفسير لسبب بقائه. «عبدالناصر» لا يُنسى، لأن الحلم الذى نطق به لم يتحقق بعد، وما دام الحلم حياً، فإن صاحبه لا يُدفن.