رفعت رشاد يكتب: الإنسان.. القاتل الذي يدّعي الرحمة
رفعت رشاد يكتب: الإنسان.. القاتل الذي يدّعي الرحمة
أى مفارقة هذه أن يكون أكثر الكائنات وعياً هو أكثرها قسوة؟ أى عبث أن يحمل الإنسان قلباً يُفترض أنه ينبض بالحب، ثم لا يجد لذته إلا فى القتل؟ يُباهى بعقله، لكنه يطلق رصاصه على عصفور يُغنى للحب فوق شجرة؛ يزهق روحه وكأنها لا تستحق الحياة، وكأن لذته فى إسكات اللحن وسفك البراءة.
الإنسان -هذا الكائن الذى قال عنه فلاسفة الوجود إنه تاج الخليقة- يُمارس القتل لا اضطراراً بل هواية. يتجول بين الغابات كإلهٍ صغير يوزّع الموت، لا ليأكل أو يتقى شراً، بل ليرى نفسه كبيراً، وليملأ جدران قصره برؤوس من كانت تحيا، تنبض، تُرضع، تحلم.
أى إنسان هذا الذى يقتل أماً قطة، كانت تبحث فى القمامة عن فتات تطعمه لصغارها؟ أى نفس تلك التى تطلق النار على غزالة تهرب بخوفها، لا بسلاحها؟ أهو نقصٌ فى الرجولة؟ أم فراغٌ فى الروح؟ أم غربة فى الوعى؟ فهل القتل مرض لذة؟ لذة السيطرة والهيمنة؟
فى أعماق النفس البشرية نزعة خفية نحو التحكم، نحو أن يكون الإنسان السيد، حتى على حساب الحياة ذاتها. الصياد الذى يقتل أسداً لا يريد أن يأكله، بل يريد أن يُقنع نفسه أنه الأقوى، أن يتفوَّق على مَن يُخيفه فى الخيال. إنها نزعة إثبات الذات البدائية، حين يُقتل الحيوان، لا يموت وحده. تموت معه كل آيات الرحمة فى قلب القاتل. والقاتل -فى كثير من الأحيان- لا يعرف لماذا فعل، لكنه يشعر بشىء من «النصر»، كمن أسكت صرخة داخله. إنه يقاتل ظله، لا الحيوان. إنها اللذة المريضة بالدماء. نعم، هناك نوع من البشر يشعر بنشوة خفية حين يرى دماً يُراق. الأمر ليس عقلانياً. إنه أقرب إلى الطقوس البدائية. كأن النفس تجد فى ذلك نوعاً من التمرد على الرحمة، أو رغبة دفينة فى تذوق القوة، ولو كانت ممزوجة بالقبح.
كما أن الإنسان يبرر القتل بالشرعية، فما أسهل أن يُسكت الإنسان ضميره حين يجد من يبرر له الجريمة. يقول له الدين أو المجتمع أو القانون: «مباح»، فيُطلق رصاصته بطمأنينة غريبة، وكأن المبرر محا الإثم. لكنه نسى أن الله الذى أباح الصيد، جعل من الرحمة خُلقاً أعلى من الرخصة.
إنها قسوة بلا مبرر، فهل هذا هو الإنسان؟ كيف أصبح الإنسان -الذى تفيض عيناه لمشهد طفل جائع- قاسياً بلا سبب تجاه حياةٍ أخرى؟ كيف تبلّدت مشاعره إلى حد أن يرى ذبيحة مصلوبة على شجرة فيضحك، أو أن يتفاخر بفيديو يظهر فيه وهو يسحق سلحفاة أو يعذب كلباً؟ بل إنه يفقد التعاطف مع المختلف، فالإنسان لا يرحم من لا يُشبهه. لا يسمع صرخة الغزالة لأنها لا تتكلم. لا يرى دمعة القط لأنه يظنه بلا روح. إنها أنانية الوعى، التى لا ترى سوى ذاتها.
كما أنها الثقافة الموروثة للقسوة، حيث يُربَّى الطفل فى مجتمعات كثيرة على أن الحيوان وسيلة، لا كائن، على أن الكلب «نجس»، والقط «سارق»، والعصفور «غنيمة». هكذا يُبنى وجدان مشوَّه، لا يرى فى الحياة سوى ما ينفعه. هناك فراغٌ قاتل فى النفس البشرية، لا يملأه المال ولا المجد. بعض الناس -حين لا يجدون من يحبهم- يبحثون عمن يخاف منهم. القتل يصبح وسيلة للشعور بالوجود، ولو بطريقة مريضة. من يعتد رؤية الدماء يصير دمه بارداً. من يقتل مرة بلا تأنيب يقتل ألف مرة ببرود. النفس كالعين، تُبصر أول مرة وتدمع، ثم تُبصر عشر مرات فتضحك!
المدهش أن القتل الممنهج للكائنات لا يُعامل كجريمة، بل يُسوَّق كمنتج سياحى، أو يُدرَّس فى كليات تحت مسمى «صيد برى» أو «تحكم فى الحياة البرية». بينما الحقيقة أن الإنسان لا يتحكم فى شىء، بل يُفسد ما لا يملك، ويدمر ما لم يخلقه. يبرر لنفسه أنه يفعل ذلك باسم «التوازن البيئى»، بينما هو من كسر هذا التوازن. يقول إنه يصطاد لحماية المزارع، بينما الحقيقة أنه بنى على حساب الغابة.
إنه القاتل، ثم القاضى، ثم المُبرِّئ لنفسه.
دعك من الغزالة والقطة، وتأمل الإنسان حين يُشعل الحروب. أليست هى صورة كبرى من القتل المجانى؟ أليس هو الطفل الكبير الذى يلهو بالألعاب النارية، فقط لأنَّ لديه ما يكفى من الصواريخ؟
الحرب عنده ليست ضرورة، بل نزوة. يُشعلها كما يُشعل سيجاراً فاخراً، ويدّعى أن الغايات تبرر الضحايا. لكن ما الفرق بين قنّاص يقتل غزالة، وجيش يُدمر مدينة؟ كلاهما يحتفل بقوته على حساب حياة لا تعود.
نحتاج فقط أن نُعيد الإنسان إلى إنسانيته، أن نُربّيه على التعاطف، أن نُعلّمه أن القطة ليست «كائناً زائداً»، بل أم، عاشقة، جائعة، خائفة. أن الغزالة ليست «هدفاً» بل روح، وأن الأسد ليس «عدواً» بل أبٌ فى مملكته.
الإنسان القاتل هو ذاته الإنسان المُحب، الفرق فقط فى التربية، فى الثقافة، فى الضمير.