عماد فؤاد يكتب: إلى رموز الاستعمار من قلب الحضارة الإنسانية

كتب: أحمد العانوسي

عماد فؤاد يكتب: إلى رموز الاستعمار من قلب الحضارة الإنسانية

عماد فؤاد يكتب: إلى رموز الاستعمار من قلب الحضارة الإنسانية

من المؤكد أن غضبة الشعب المصرى من مطالبة الرئيس الأمريكى دونالد ترامب بمرور السفن الأمريكية مجاناً عبر قناة السويس، وصل صداها إلى «واشنطن».

لم تكن تلك الغضبة مجرد رد فعل على تصريح عابر، لكنها كانت صدى لصرخة تاريخية، تعبر تماماً عن وجدان شعب رفض الخنوع عبر آلاف السنين؛ فمصر، التى شهدت مولد أول دولة مركزية فى التاريخ، لم تكن يوماً ساحة للخضوع، بل كانت عنواناً للصمود والتحدى.

الوعى الجمعى المصرى وجد فى تصريحات رئيس الدولة الأقوى فى العالم فرصة لتوجيه رسالة إلى كل رموز الاستعمار عندما قال: نحن شعب حول تراب أرضه إلى مصيدة للغزاة، وقدم حضارته كمنارة للعالم.

منذ فجر التاريخ، فى القرن السابع عشر قبل الميلاد، وقف المصريون حراساً للوادى المقدس. عندما غزا الهكسوس أرض الفراعنة لم يستسلم الشعب، وألهمته إرادة التحرر، وقف خلف حكامه بداية بالملك «سقنن رع»، وغيره من الملوك على مدى قرن ونصف القرن من الزمان، حتى تم طردهم على يد الملك أحمس الأول، الذى أسس عصر الإمبراطورية الحديثة.

وتحتفظ ذاكرة المصريين بالمثل الشعبى: «ياما دقت على الرأس طبول».. إنها طبول الحروب ضد الغزاة، ولم يتوقف السفر الطويل مع التحدى: جاء نابليون بونابرت مدعياً تحرير مصر من الاحتلال العثمانى، لكنه اصطدم بثورتى القاهرة الأولى والثانية، وتحول علماء الأزهر إلى قادة للمقاومة الشعبية، وخرج المحتل، وحتى البريطانيون، الذين احتلوا مصر عام ۱۸۸۲، واجهوا الثورات المتتالية، التى شاركت فيها النساء إلى جانب الرجال، معلنات: «الاستقلال التام أو الموت الزؤام».

قناة السويس ليست مجرد ممر مائى، لكنها شاهد على ملحمة كفاح سجلها التاريخ بحروف من نور، وبعد افتتاحها مباشرة عام 1869، تحولت إلى هدف للطامعين، وفى عام 1956 كتب المصريون فصلاً جديداً فى سِفر السيادة بتأميمها، ووقفوا خلف قائدهم جمال عبدالناصر، لصد العدوان الثلاثى، وأجبرت المقاومة الشعبية العالم على الاعتراف بسيادة مصر على قناتهم، ولن يتنازلوا عن سيادتهم هذه.

لن يفهم المستعمرون أبداً سرَّ تمسك المصرى بالأرض، لأنهم لم يروا فى التاريخ إلا الموارد القابلة للنهب، لكن المصريين يعلمون أن أرضهم هى مهد الحضارة الإنسانية، وعندما يتساءل البعض: هل ما زال ذلك الشموخ الوطنى المصرى صالحاً فى زمن العولمة؟، والجواب يأتى من آخر المشاهد فى 2013، عندما خرج الملايين فى ثورة 30 يونيو -الأضخم فى التاريخ الإنسانى كله- للحفاظ على هويتهم، التى حاول المتسترون بالدين مسخها، بدعم واضح من قوى الاستعمار.

اليوم يواجه المصريون التحديات الاقتصادية والأمنية التى لم تنقص من عزيمتهم، بل تزيدها اشتعالاً، يرددون شعار الأجداد: «مصر ليست للبيع».

مصر التى علّمت العالم معنى الدولة، تعرف معنى التعاون الدولى، لكنها عصية على قبول دور التابع.

فى كلمته خلال منتدى شباب العالم عام 2018 -أثناء ولاية ترامب الأولى- قال الرئيس السيسى: «مصر دولة مستقلة ذات إرادة، وتتعامل مع العالم على أساس المصالح المتبادلة.. الشراكة الحقيقية لا تُبنى إلا باحترام سيادة الدول، وتوازن المنافع».

هنا يمكننا أن نقولها لرموز الاستعمار القديم والجديد: لقد فهمتم الدرس خطأ عندما ظننتم أن مصر يمكن أن تكون ورقة فى لعبة المصالح، فالشعب الذى حوّل نهر النيل إلى شريان حياة، والمحن إلى فرص، قادر على تحويل التحديات إلى انتصارات، شعب يعتز بماضيه، ويقاتل من أجل مستقبله.


مواضيع متعلقة