عماد فؤاد يكتب : خط الدفاع الأول عن الأمن القومى المصرى (1)

كتب: أحمد فكري

عماد فؤاد يكتب : خط الدفاع الأول عن الأمن القومى المصرى (1)

عماد فؤاد يكتب : خط الدفاع الأول عن الأمن القومى المصرى (1)

لم يعد الأمن القومى للدول مفهوماً تقليدياً يقتصر على توافر القدرة العسكرية اللازمة لحماية الحدود الإقليمية، لكنه اتسع ليشمل الكثير من الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية والثقافية.

وطبقاً لهذا المفهوم الواسع، فإن تماسك الجبهة الداخلية لأى دولة، يصبح هو المظلة الجامعة لكل هذه الأبعاد، فهو الذى يعكس قدرة الدولة والمجتمع على تجاوز الانقسامات والخلافات الداخلية، وتوحيد الجهود والطاقات لمواجهة أى تحديات.
وأمام ما تشهده منطقة الشرق الأوسط، ومنطقتنا العربية على وجه الخصوص من تحوّلات جيوسياسية حادة، وغير مسبوقة، وما تفرضه من تحديات جسيمة تُهدّد الأمن القومى المصرى من مختلف الجوانب، صار ملزماً لكل وطنى مخلص أن يحرص على تماسك الجبهة الداخلية المصرية كصمام أمان فى وجه تحديّات الأمن القومى، وكضرورة استراتيجية لا يمكن الاستهانة بها.
وعلى صخرة الوحدة الوطنية الصلبة، تتلاشى نقاط الضعف وتتعزّز القدرة على مواجهة المخاطر والتحديّات مهما عظمت، وتصبح مصر قادرة على لعب دورها المحورى بثبات ورسوخ يتّفق مع مكانتها، فى محيط إقليمى ودولى بالغ التعقيد، ومتشابك لأبعد مدى يُمكن تخيله.
منطقة الشرق الأوسط تشهد صراعات إقليمية ودولية متداخلة. وبرزت الجماعات الإرهابية والمتطرّفة التى تُهدّد استقرار الدول والمجتمعات، وتفاقمت الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، التى أثّرت على حياة المواطنين.
ووجود جبهة داخلية متماسكة، فى هذا المناخ المضطرب، يضمن لمصر الحد اللازم للحماية من تداعيات هذه الأزمات، والحفاظ على مصالحها الوطنية العليا، كما يضمن أمن واستقرار شعبها.
التاريخ ملىء بالأمثلة البارزة التى تُلهم الحاضر، وتُبلور أهمية الاصطفاف الوطنى، الذى لعب دوراً حاسماً فى مواجهة التهديدات الخارجية.
فى مصر، خلال أزمة العدوان الثلاثى عام 1956، وقف الشعب المصرى كجبهة موحدة ضد العدوان البريطانى - الفرنسى - الإسرائيلى، خلف نظام الرئيس جمال عبدالناصر (رغم الخلافات السياسية الداخلية) لمواجهة الخطر الخارجى.
فى حرب أكتوبر 1973، تجاوز المصريون خلافات مرحلة ما بعد هزيمة 1967، وحظى الرئيس أنور السادات بتأييد شعبى، بدعم من تيارات سياسية متنوعة من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، وتحقق الهدف باستعادة الأرض والكرامة.
وفى مواجهة الإرهاب بعد سقوط حكم جماعة الإخوان الإرهابية عام 2013، شهدت مصر أوسع تحالف شعبى للحفاظ على الهوية الوطنية.
وتتنوع الأمثلة على مستوى العالم، فعندما واجهت بريطانيا خلال الحرب العالمية الثانية تهديداً وجودياً من ألمانيا النازية، تجسّد الاصطفاف الوطنى تحت قيادة ونستون تشرشل، وتوحّد الشعب البريطانى بمختلف طبقاته وانتماءاته السياسية خلف هدف واحد، وهو الدفاع عن الوطن ودحر العدوان. وتجلى هذا الاصطفاف فى التضحيات الكبيرة التى قدّمها المدنيون والعسكريون، وفى العمل المشترك بين مختلف القوى السياسية والنقابات العمالية، مما أسهم فى صمود بريطانيا وانتصارها فى نهاية المطاف.
وخلال الحرب العالمية الثانية أيضاً، عندما غزت ألمانيا النازية الاتحاد السوفيتى، أظهر الشعب هناك مقاومة شرسة، ووحدة وطنية عظيمة. رغم التنوع العرقى والدينى والسياسى داخل الاتحاد، وتوحّد الجميع تحت شعار الدفاع عن الوطن ضد الغزاة، مما أدى فى النهاية إلى هزيمة النازية.
وأثناء الغزو الأمريكى لفيتنام، أظهر الفيتناميون قدرة هائلة على الاصطفاف الوطنى وتوحيد جهودهم لمقاومة المحتلين، إلى أن تحقّق النصر والاستقلال.
وشهدت جنوب أفريقيا فى المرحلة الحاسمة من النضال ضد مواجهة نظام الفصل العنصرى، اصطفافاً وطنياً واسعاً، وتكاتفت مختلف القوى السياسية والحركات الاجتماعية ومنظمات المجتمع المدنى، تحت قيادة نيلسون مانديلا، وتحقّق الهدف المشترك، وهو إنهاء التمييز العنصرى، وبناء دولة ديمقراطية موحّدة.
هذه الأمثلة التاريخية توضح أن الاصطفاف الوطنى فى وجه التهديدات الخارجية ليس مجرد شعار عاطفى، لكنه القوة الحقيقية القادرة على تغيير المسارات، التى يراها البعض حتمية، فعندما يتّحد الشعب، وتتجاوز القوى السياسية خلافاتها من أجل هدف وطنى أسمى، يصبح الوطن أكثر قوة وصلابة فى مواجهة الأخطار التى تهدّده.
وفى هذا السياق، يبرز الدور الحيوى للأحزاب والقوى السياسية على اختلاف توجّهاتها الفكرية والأيديولوجية، لدعم تماسك الجبهة الداخلية، التى هى بلا شك تمثّل خط الدفاع الأول عن الأمن القومى المصرى.. وللحديث بقية.


مواضيع متعلقة