رفعت رشاد يكتب: عيد الأيادي الخشنة
رفعت رشاد يكتب: عيد الأيادي الخشنة
ارتبط الاحتفال بعيد العمال في مصر بعرض فيلم "الأيدي الناعمة" الذي ظهر لأول مرة في عام 1963 إبان فورة المظاهر الثورية وتشجيع العمل، حتى إن أحد شعارات الثورة كان " العمل حق .. العمل واجب " . الفيلم مأخوذ عن رواية للكاتب الكبير توفيق الحكيم بنفس العنوان، وخلاصة الرواية والفيلم أن الطبقة الزائلة من النبلاء والأرستقراطيين كانت أيديهم ناعمة لأنها لم تكن تعمل أو تشقى وإنما كانت تجني ثرواتها وتأكل طعامها من عرق الفلاحين والعمال أصحاب الأيدي الخشنة، صنع الفيلم في إطار كوميدي زاد من متعة مشاهدته أن أبطاله كانوا من الممثلين المحبوبين لدى جمهور المشاهدين.
يحلّ الأول من مايو كل عام حاملًا معه رمزية خاصة في التاريخ الاجتماعي والاقتصادي للشعوب، ألا وهو "عيد العمال"؛ ذاك اليوم الذي انطلق من رماد المعاناة في المصانع الغربية ليصبح تقليدًا عالميًا يحتفي بالكادحين والمشتغلين في شتى المجالات. لكنّ السؤال الذي يفرض نفسه في عصرنا الحديث: هل لا يزال عيد العمال يحمل ذات المعنى؟ وهل الأولى أن نعيد تسميته بـ"عيد العمل" ليشمل كل من يُنتج، لا فقط العامل الصناعي التقليدي؟ وهل تغيرت دلالته مع بزوغ الثورة التكنولوجية واقتصاد المعرفة؟
انطلقت شرارة عيد العمال في نهايات القرن التاسع عشر في الولايات المتحدة وكندا، حيث طالب العمال بتقليل ساعات العمل إلى ثماني ساعات فقط. كانت مدينة شيكاغو عام 1886 مسرحًا لمظاهرات عنيفة عُرفت بـ"أحداث هايماركت"، والتي راح ضحيتها عدد من العمال، وشكلت منعطفًا خطيرًا في العلاقة بين الطبقة العاملة وأرباب العمل والدولة. ومن هنا نشأ العيد كفعل احتجاجي، لا احتفالي، يُكرّس الاعتراف بحقوق العمال ويناصر العدالة الاجتماعية.
هل عيد العمال، أم عيد العمل ؟ ربما يعتقد البعض أن الاختلاف في التسمية شكلي، لكنه في الحقيقة يعكس فلسفة عميقة. تسميته "عيد العمال" تحصر المناسبة في فئة بعينها، هي الطبقة العاملة التقليدية التي كانت تقف خلف خطوط الإنتاج في المصانع. أما "عيد العمل"، فهو توسعة رمزية تتسع لكل من يكدّ ويُنتج، سواء كان موظفًا مكتبيًا، أو فلاحًا، أو مبرمجًا، أو فنانًا، أو حتى ربة منزل. فكل جهد منتج يجب أن يُحتفى به. ولذلك، ربما آن الأوان أن نتجه فلسفيًا إلى مفهوم "العمل" لا "العمال" فقط، خاصة مع تحولات بنية الاقتصاد العالمي.
نشأ عيد العمال في ظل الثورة الصناعية التي حولت المجتمعات من زراعية إلى صناعية. لكننا اليوم نشهد تحوّلًا مزلزلًا من الصناعة إلى التكنولوجيا واقتصاد المعرفة. فقد باتت الوظائف تعتمد أكثر على المهارات الرقمية والعقلية، لا الجسدية. وأصبح "العامل الجديد" يُشبه المبرمج والمحلل والمصمم أكثر مما يُشبه عامل الماكينة أو عامل البناء.
إن تراجع دور الصناعة التقليدية لا يعني زوالها، لكن بالتأكيد تغيّرت أولويات العمل العالمي. ففي عام 2024، تشير تقديرات منظمة العمل الدولية إلى أن أقل من 20% من القوى العاملة العالمية تعمل في القطاع الصناعي، بينما يتجاوز العاملون في قطاع الخدمات وتقنيات المعلومات والاقتصاد المعرفي نسبة 60%. هذه التحولات ينبغي أن تعكس نفسها في فلسفة عيد العمال.
لقد نغير معنى العامل كثيرًا. فالعامل لم يعد فقط ذلك الذي يرتدي الخوذة ويحمل المطرقة، بل أصبح كذلك من يجلس خلف شاشة الحاسوب في شركات التكنولوجيا العملاقة، أو من يعمل في اقتصاد العمل الحر من منزله، أو حتى من يخلق المحتوى عبر الإنترنت. إننا أمام مفهوم جديد للعمل والعامل، وهو ما يطرح تساؤلًا جوهريًا: هل الاحتفال بعيد العمال لا يزال يحمل طابع الطبقة التقليدية، أم أنه يتوسع ليشمل طيفًا أوسع من المنتجين؟
تختلف مظاهر الاحتفال بعيد العمال من بلد إلى آخر. ففي الدول ذات الطابع الاشتراكي أو التي لها تاريخ نضالي عمالي، مثل فرنسا، وإيطاليا، والصين، وكوبا، يُعد اليوم عطلة رسمية تُنظّم فيه مسيرات حاشدة تطالب بتحسين ظروف العمل وتكريم الرواد العماليين.
في المقابل، تنتهج دول أخرى مثل الولايات المتحدة وكندا تقليدًا مختلفًا، حيث تحتفل بـ"يوم العمل" (Labor Day) في سبتمبر بدلًا من مايو، خشية ربطه بجذوره الاشتراكية. وفي مصر، يرتبط العيد باحتفالات رسمية يلقي فيها رئيس الجمهورية كلمة تكريمية، ويُمنح بعض العمال أوسمة وشهادات تقدير، وهو ما يعكس التقدير الرمزي للعمل والعمال .
مع شيوع نماذج العمل عن بُعد، وانتشار اقتصاد المنصات، والانشغال بالتقنيات الحديثة، لم يعد الاحتفال بعيد العمال بنفس الزخم الشعبي القديم. فقد أصبحت فئات كثيرة من العمال غير منظمة نقابيًا، ولا تحظى بذات الروح الجماعية التي كانت تميز عمال المصانع.
حتى لغة المطالب تغيّرت؛ فبعدما كانت تتمحور حول الأجور وساعات العمل، باتت اليوم تدور حول المرونة، والصحة النفسية، وحق الانفصال عن العمل بعد انتهاء الدوام وقوانين الذكاء الاصطناعي وتأثيره على الوظائف.
بحسب تقديرات منظمة العمل الدولية لعام 2024، يُقدر عدد العاملين في القطاع الصناعي العالمي بحوالي 750 مليون عامل، أي قرابة 20% من إجمالي القوى العاملة العالمية، التي تتجاوز 3.4 مليار شخص. وهذا الرقم يشمل الصناعات التحويلية، والإنشائية، والتعدين، والطاقة.
ومع أن العدد كبير، إلا أنه يتناقص نسبيًا مقارنة بالعمال في قطاع الخدمات، الذين يفوق عددهم 2 مليار عامل، إضافة إلى الملايين الذين يعملون في الزراعة والقطاعات غير الرسمية.
إن الاحتفال بالعمل هو احتفال بالكرامة الإنسانية، وبالجهد المنتج، أيا كان شكله. وعلى المجتمعات أن تطور هذا العيد من طقس رمزي إلى مشروع شامل لحماية العامل من استغلال السوق، واحتضان طاقاته في عالم سريع التحول .