أهدانى الدكتور أحمد بهى الدين، رئيس مجلس إدارة الهيئة المصرية العامة للكتاب، دار النشر الرئيسية فى بر مصر، كتاباً جديداً صدر فى سلسلة جديدة عنوانها: عقول تهتم بنشر تراجم شخصيات مؤثرة فى مختلف مجالات العلم والأدب والتاريخ والفنون.
يوسف القعيد يكتب: سليم حسن.. المؤرخ الموسوعي وعميد الأثريين
يوسف القعيد يكتب: سليم حسن.. المؤرخ الموسوعي وعميد الأثريين
الكتاب كتبه الدكتور محمود نبيل، والدكتورة أميرة على، ويصدر فى سلسلة يرأس تحريرها عبدالسلام فاروق. وهى عمل جديد يبغى التقريب إلى الجيل المعاصر من الشباب، ويحاول التفاعل مع طريقة التفكير وأسلوب الحياة المعاصرة.
وسليم حسن «15 أبريل 1886 - 1961» كلنا نعرفه، فهو من أعلام من كتبوا فى التاريخ المصرى وعالم من العلماء المعدودين، لا فى مصر وحدها، بل والعالم. بدأ حبه للتاريخ مبكراً منذ صغره. إذ لم يعشق أكثر من مادة التاريخ ولم يختر فى دراسته العُليا إلا تاريخ مصر القديم، حتى إن من عاصروه يقولون إن قراءاته الجانبية كانت فى مجالات التاريخ المختلفة.
سبق أن حصل سليم حسن على دبلومات عليا من فرنسا، ودكتوراه من فيينا، وهذا تم بسلاسة ويُسر كأنه لم يُخلق إلا لهذا العمل. وقد ظل طوال عمره يخطط لأعمال قادمة ويستغرب لماذا لم تتم حتى يقوم هو بها؟ وكان وهو فى الخامسة والسبعين من عمره، يعمل لمدة 16 ساعة يومياً بلا كلل أو ملل، ولا ينام أكثر من ثلاث ساعات فى اليوم. وبالتالى فإن تخصيص كتاب لقصة حياته ومشروعه مسألة مهمة، خاصة بالنسبة للأجيال الجديدة من شباب مصر والوطن العربى وربما العالم كله.
إنها قصة رائد المصريات سليم حسن يقدمها هذا الكتاب المهم فى أربعة فصول زمنية، أولها ينتهى مع بداية أعماله الحفرية، والثانى يتناول العشر سنوات الدسمة لعمليات الكشف والتنقيب، والثالث يدور حول الفترة الأخيرة من حياته التى أنجز خلالها أهم مؤلفاته، أما الفصل الرابع والأخير فهو يدور حول موسوعة مصر القديمة وما رافق كتابتها وإصدارها من مواقف وأحداث ورؤى.
إنها ليست قصة عادية لرجل عادى، بل إنها حكاية مشوِّقة لرجل استثنائى، كنتُ أتمنى خلال قراءتها أن يهتدى إليها الشباب والشابات خاصة فى سنوات أعمارهم الأولى، وكان أعظم ما حققه هو إنجاز الفكر المتمثل فى موسوعته التى اشتهرت بأنها موسوعة سليم حسن، رغم أن البعض نشرها بمسمى موسوعة مصر القديمة.
إن قراءة هذا الكتاب المهم تجعل الإنسان يُمارس عملية تنقيب عميقة يكتشف خلالها حقائق صادمة ومعلومات قيِّمة حتى لو كان يقرأها للمرة الأولى، وسيُدرك السبب الذى بات من أجله سليم حسن واحداً من أهم علماء مصر فى كل عصورها.
وسليم حسن ابن قرية نائية من محافظة الدقهلية، عاشت فى ظل مرحلة الاستعمار الذى امتص كل خيرات البلاد وترك الناس فى كفاحهم المرير، لا يكاد أحدهم يجد قوت يومه. وكانت كل الظروف فى بداياته تؤكد أن طريق المستقبل أمامه مُغلق تماماً. لكنه كافح رغم الحياة الخشنة، فبمجرد ما أصبح قادراً على الكلام حتى حفظ القرآن الكريم، ثم اشتد عوده ليدخُل مدرسة روضة العلوم فى ميت غمر.
ورغم أن والده مات صغيراً فإن أمه قامت على رعايته، ولأن وسائل التسلية كانت معدومة، فقد نشأ على القراءة والتحصيل لا يملك غيرهما، ولهذا كان دائم النجاح والتميز بين أقرانه، ولما لمست أمه نبوغه وذكاءه وإقباله على العلم حرصت على إلحاقه بمدارس أفضل، فانتقلت به إلى القاهرة حيث الفرص أحسن ومتاحة للجميع.
وهكذا توجه إلى آثار مصر التى كان الإنجليز يهتمون بها اهتماماً كبيراً بعد أن قام الفرنسيون قبلهم بعمليات البحث والوصف الدقيق، ثم نشروا تاريخ أبحاثهم وجاء بعدهم الألمان والإيطاليون.
سليم حسن لم يقرر البقاء فى مصر طويلاً، سافر إلى أوروبا ثم عمل بالمتحف المصرى، وكان قد مكث فى فرنسا أربع سنوات ونصف. تفرَّغ للدراسة ليلاً ونهاراً ولم يُفكِّر طوال السنوات الأربع أن يسهر ولو ليلة واحدة فى كازينو ليلى أو ملهى من ملاهى باريس الشهيرة.
كتب رسالة إلى طه حسين، تحدَّث فيها عن عمله وعن جديته فيه، التى تصل إلى حد القسوة على نفسه وتكليفها ما لا تطيق. إن هذه الرسالة توشك أن تُخاطب شبابنا فى مصر هنا والآن.