أطفال غزة يموتون خوفا وجوعا: لا طعام.. لا دواء
أطفال غزة يموتون خوفا وجوعا: لا طعام.. لا دواء
كل يوم تجلس الأرملة الفلسطينية الشابة «ابتسام غالية» وأطفالها الأربعة أمام ما تبقَّى لديهم من طعام، يحصون المخزون الضئيل جداً بعناية، والحصيلة عبارة عن كيلو تقريباً من الفول، وكيس عدس، وقليل من الملح، وبعض الأعشاب والتوابل، وكمية من الدقيق تكفى لصنع ستة أرغفة من الخبز على الأكثر، تقوم الأم بخبزها على «صاج» فوق كومة النار، التى استطاعت أن توقدها من بعض حطام الخشب، أو مخلفات البلاستيك والكرتون التى يجمعها أطفالها بصعوبة من تحت الحطام.
وذكرت صحيفة «الجارديان»، فى تقرير لها، أنه منذ أن فرضت سلطات الاحتلال الإسرائيلى حصاراً كاملاً وخانقاً على قطاع غزة، قبل نحو شهرين، ومنعت دخول الغذاء والدواء والوقود، بل وكل شىء، إلى القطاع المنكوب، بدأ مخزون أسرة «ابتسام» من الطعام يفرغ شيئاً فشيئاً، وكذلك الحال لعشرات الآلاف من الأسر الفلسطينية التى يموت أبناؤها خوفاً وجوعاً دون طعام أو دواء، ولا حتى وقود للطهى، وسط ظروف بالغة القسوة تتلاشى معها مقومات الحياة.
قبل أيام قليلة كانت «ابتسام» تتلقَّى مساعدة نقدية من منظمة إنسانية، تعينها على شراء بعض الخضراوات أو الفواكه، أو تحصل على كيلو دقيق من أحد الأقارب أو الأصدقاء، ولكن الأسعار ارتفعت بشكل جنونى، مع استمرار الحصار، وتناقص المواد الأساسية، على سبيل المثال، السكر الذى كان يباع بدولار واحد للكيلو أصبح سعره الآن 20 ضعفاً، وكيس دقيق قديم وردىء الجودة بات أغلى من أن تتمكن العديد من الأسر من شرائه، حتى المخابز التى كان يديرها «برنامج الغذاء العالمى» توقفت عن العمل منذ أسابيع، بعد نفاد الدقيق والوقود، والمطابخ الجماعية التى توزع نحو مليون وجبة يومياً بدأت تنفد مخزوناتها، ومستودعات الأمم المتحدة باتت خاوية، ولم تتذوق غالبية الأسر اللحوم أو الألبان منذ شهور.
الأمم المتحدة: تسجيل 10 آلاف حالة «سوء تغذية» بين الأطفال بينهم 1600 طفل فى مرحلة خطيرة
ونقلت الصحيفة البريطانية عن «ابتسام» قولها: «نحاول جاهدين ترشيد ما تبقى لدينا من طعام منذ إغلاق المعابر، بتنا نأكل وجبة أو وجبتين فقط فى اليوم، لا أملك إلا توزيع الخبز على أطفالى لإسكات جوعهم، وأحاول أن أتناول أقل قدر ممكن حتى يكفيهم الطعام».
فمنذ انهيار الاتفاق المؤقت لوقف إطلاق النار بين جيش الاحتلال الإسرائيلى والفصائل الفلسطينية، قبل ستة أسابيع، لم يتوقف دوى الغارات والقصف عن الوصول إلى الخيام المنصوبة وسط الأراضى الزراعية، قرب بلدة «بيت لاهيا» المدمرة، حيث تعيش «ابتسام» مع أطفالها داخل خيمة بسيطة، تُرعبها أصوات القصف، وتعيد إليها ذكريات مؤلمة، ففى ديسمبر 2023 استشهد زوجها «حمزة» فى غارة إسرائيلية بطائرة مُسيَّرة، إلى جانب عمه وابن عمه، أثناء بحثهم عن الطعام بين أنقاض منزلهم السابق.
تتذكر «ابتسام»، البالغة من العمر 32 عاماً، هذه اللحظات بقولها: «لم أصرخ أو أسقط منهارة حين وجدتهم، شكرت الله أننى استطعت دفنهم، المستشفى رفض استقبالهم أو تكفينهم، قالوا إنهم بدأوا فى التحلل، ولا توجد أكفان، لففناهم فى بطانيات ودفناهم بأنفسنا»، وتابعت قائلةً: «أطفالى كانوا يبكون يومياً، يسألون عن والدهم، الكبيران، الآن فى العاشرة والتاسعة، لم يتوقفا عن البكاء، كانا يريدان رؤيته مجدداً، كنت أُطمئنهم وأقول لهم: سنجتمع معه فى الجنة».
تواجه الأم الشابة وأطفالها الأربعة، وآلاف الفلسطينيين غيرهم، الموت فى كل يوم، يلاحقهم القصف فى كل مكان يخرجون إليه، أو حتى داخل الخيام التى يلوذون بها، فقبل نحو أسبوع أصيبت شقيقتها برصاصة طائشة فى ساقها أثناء قيامها بتجهيز الطعام لأسرتها قرب الخيمة، أما ابنها الأكبر «حسام»، البالغ من العمر 10 سنوات، فيخرج يومياً إلى المناطق المحيطة لجمع الحطب، حيث لا يوجد وقود للطهى، كما أن البنزين شحيح لدرجة أن ثلثى سيارات الإسعاف المتبقية فى غزة متوقفة عن العمل، ولا يعمل من المولدات سوى الثلث.
«الجارديان» ترصد معاناة «أرملة» فلسطينية وأطفالها للبقاء على قيد الحياة: «سنجتمع مع أبيكم فى الجنة»
أوردت «الجارديان» عن الأرملة الشابة إعرابها عن الخوف على ابنها بقولها: «إذا تأخر قليلاً أُصاب بالهلع، لا أحتمل أن أفقد ابنى بعد زوجى، لكن لا خيار أمامى، لا بد أن نطبخ، هو فى العاشرة فقط، لكنّه بات كالكبار من كثرة ما يتحمل من مسئوليات وقلق»، أما ابنتها الثانية «جُنان»، ذات التسعة أعوام، فتعانى من كوابيس متكررة، نتيجة أصوات الانفجارات، ومشاهد أشلاء الجثث، التى لا تفارق مخيلتها، تقول الطفلة الصغيرة: «أشتاق لحياتى القديمة كثيراً، أشتاق لوالدى، لصوته ورائحته، كان يأخذنا لتناول الكباب فى عطلة نهاية الأسبوع، الآن لا يوجد شىء لنشتريه من السوق، نحصل على الماء من المدرسة القريبة، أو من صهاريج المياه التى تزور المخيم كل فترة، أنا وأخى نحمل ما نقدر عليه من المياه إلى خيمتنا»، وأضافت: «أفتقد المدرسة كثيراً، أمى قالت لى إننى سأصبح معلمة حين أكبر، لأننى أحب الدراسة، وأتمنى أن أحقق ذلك، أكثر ما أخشاه الآن هو أن أفقد أحد إخوتى، أرى فى منامى مشاهد قتل كثيرة، ودماء فى كل مكان».
وكشف تقرير حديث للأمم المتحدة، صدر الأسبوع الماضى، عن تسجيل حوالى 10 آلاف حالة من سوء التغذية الحاد بين الأطفال فى قطاع غزة منذ بداية عام 2025، أى أقل من 4 أشهر، بينهم 1600 طفل تم تصنيف حالاتهم على أنها «سوء تغذية حاد أو خطير»، وعن هذه المأساة الإنسانية، التى تتفاقم يوماً بعد يوم، يقول أمجد الشوا، مدير شبكة المنظمات الأهلية الفلسطينية فى غزة: «لم يتبقَّ لدينا سوى بضعة أيام من الإمدادات، كل يوم يمر أسوأ من الذى قبله».
وبحسب تقرير الصحيفة البريطانية فإن المسئولين الإسرائيليين يبرِّرون الحصار الخانق على قطاع غزة بادعاء أن حركة «حماس» تسرق المساعدات وتوزعها على مقاتليها أو تبيعها للحصول على الأموال، غير أن مسئولى الإغاثة فى القطاع الفلسطينى ينفون وجود أى حالات «سرقة ممنهجة» للمساعدات خلال الأشهر الأخيرة، وإن أشاروا إلى تزايد «أعمال النهب» بسبب «الوضع الإنسانى اليائس» الذى يضع عشرات الآلاف من الفلسطينيين فى مواجهة مع الموت جوعاً، كما يزعم الاحتلال الإسرائيلى أن هدف الحصار هو الضغط على «حماس» لإطلاق سراح 59 محتجزاً إسرائيلياً ما زالوا فى قبضة الفصائل الفلسطينية فى غزة، يُعتقد أن أكثر من نصفهم قد فارقوا الحياة.
وتختتم «ابتسام» تصريحاتها للصحيفة البريطانية بقولها: «كل ما نريده هو أن نعيش بأمان، نريد أن ينتهى الخوف، أن تتوقف الحرب، وأن تعود حياتنا كما كانت، نريد بيوتنا فقط»، ثم عادت تنظر إلى ما تبقَّى لديها من كمية صغيرة فى كيس الدقيق، لتهمهم بصوت خافت بأنه آخر يوم تجد فيه طحيناً، ولم يبقَ لها ولأبنائها سوى كيس من العدس، وكمية قليلة من الفول.